هل يخوض الحوثيون حرب السواحل دفاعا عن إيران؟.. "ذا ناشيونال إنترست": يتبنون مذهبا زيديا مخالفا للاثنى عشري.. لديهم شبكة مالية بمليارات الدولارات وجذور يمنية مستقلة
على الرغم من العلاقة الوثيقة التي تربط بين الحوثيين وإيران، إلا أنه من الصعب اختصار تلك العلاقة في معادلة "الراعي والوكيل"، بحسب تحليل نشره موقع "ذا ناشيونال إنترست" الأمريكي المتخصص في الشؤون السياسية والأمنية، مقدما قراءة مختلفة لطبيعة العلاقة بين الطرفين.
ويؤكد التحليل، الذي أعده الباحث المتخصص العلاقات الدولية ودراسات الشرق الأوسط إيفار يانسن، أن التعامل مع الحوثيين باعتبارهم مجرد أداة إيرانية يقود صناع القرار الأمريكيين إلى قراءة غير دقيقة لطبيعة التهديد في البحر الأحمر واليمن؛ فالجماعة، رغم شراكتها الوثيقة مع طهران، لديها حساباتها ومصالحها الخاصة، كما أن جذورها تعود إلى حركة زيدية يمنية تختلف عن المذهب الإثنى عشري السائد في إيران.
وفي ضوء تلك القراءة، يصف الباحث الحوثيين بأنهم "شريك غير رسمي لطهران"، وليسوا قوة تابعة لها بشكل مباشر، في قراءة تعيد طرح السؤال حول دوافع الجماعة وحساباتها الخاصة في البحر الأحمر وباب المندب.
دعم إيراني غير مطلق
يشير "مجلس العلاقات الخارجية" الأمريكي إلى أن الحرس الثوري الإيراني يزود الحوثيين بالأسلحة والتدريب والمعلومات الاستخباراتية، وأن عملية ضبط واحدة في يوليو 2025 أسفرت عن مصادرة نحو 750 طنا من الذخائر الإيرانية - بما في ذلك مكونات طائرات مسيرة، ورؤوس حربية للصواريخ، وأنظمة رادار كانت موجهة للجماعة. وقد أدى هذا الدعم دورا حاسما في تمكين الحوثيين من شن هجمات بصواريخ وطائرات مسيرة بعيدة المدى استهدفت البحر الأحمر وإسرائيل.
وبالمثل، تصف "مجموعة الأزمات الدولية" الحوثيين بأنهم جزء لا يتجزأ من "محور المقاومة" الإيراني، حيث ينسقون مع طهران بشأن التوقيت والرسائل الإعلامية، بما في ذلك قرارهم بشن ضربات مباشرة على إسرائيل في مارس 2026، وذلك بعد تقديرهم بأن الموقف الإقليمي لإيران قد ضعف.

ومع ذلك، يؤكد يانسن أن كل هذا لا يرقى إلى مستوى علاقة "الوكيل" التي تربط إيران بحزب الله، مضيفا: تقارير "مجلس العلاقات الخارجية"-ذات- تشير إلى أن إيران لم تؤسس جماعة الحوثي، وأنهم يتبعون مذهبا إسلاميا مختلفا (المذهب الزيدي، مقابل المذهب الاثني عشري السائد في إيران)؛ حيث يؤمن الحوثيون بفكرة أحقية أهل البيت في الخلافة والإمامة، وهم يختلفون في هذه مع الاثني عشرية الذين يؤمنون بـ12 إماما معصوما؛ بل ويذهب بعض المراقبين إلى ان "الزيدية هي تيار سياسي وليس مذهبا فقهيا".
التهميش السياسي للزيدية
يبرهن الكاتب على رؤيته، مشيرا إلى أن دراسة أجرتها مؤسسة "راند" عام 2020 أكدت أن العلاقة بين الجانبين ظلت "نفعية وقائمة على المصالح" حتى بعد تزايد الاستثمار الإيراني في اليمن بشكل كبير منذ عام 2015؛ فعندما أسس حسين الحوثي الجماعة في تسعينيات القرن الماضي، تركز دور الحوثيين على التصدي للتهميش السياسي للزيدية في عهد الرئيس اليمني الراحل علي عبد الله صالح. ومنذ ذلك الحين، لم تبد الجماعة اهتماما يذكر بتبني الأيديولوجية الثورية الإيرانية.
وتأتي الحجة الأوضح التي تدحض توصيف الحوثيين كـ "وكيل" لإيران من الباحثة في معهد "بروكينجز"، أليسون ماينور، التي تؤكد صراحة أن أدق وصف لهم هو "شريك غير رسمي" لإيران، وليسوا تابعين لها بشكل مباشر، وأن اعتبارهم وكلاء لإيران "يشوه جوهر التهديد الذي يشكلونه" ويقوض فعالية السياسات المتبعة، وفق "ذا ناشيونال إنترست".
أدلة على استقلالية الحوثيين
وتستشهد ماينور بمواقف عكست استقلالية القرار الحوثي؛ مثل إعلان الجماعة وقفا أحاديا لإطلاق النار مع السعودية عام 2019 في وقت كانت تفضل فيه إيران التصعيد، وكذلك إبلاغ الحوثيين إيران بشنهم هجوما بطائرة مسيرة على تل أبيب في يوليو 2024 بعد وقوع الهجوم بالفعل.

ويقول يانسن: عمل الحوثيون –أيضا- على تنويع مصادر تسليحهم من خلال الحصول على مكونات صينية وتأسيس قدرات تصنيع محلية، بدلا من الاعتماد الكلي على إيران. كما يعمل الحوثيون ضمن شبكة لا مركزية تضم أكثر من 12 جماعة حليفة -بما في ذلك التنسيق المباشر مع ميليشيات عراقية وحتى حركة "الشباب" الصومالية- وهي شبكة قادرة على إثارة حالة من عدم الاستقرار لا يمكن لأي توجيه إيراني منفرد أن يدبرها بمفرده.
استقلالية القاعدة الاقتصادية
وتمتد هذه الاستقلالية –بحسب يانس- لتشمل القاعدة الاقتصادية التي تتيح للحوثيين التصرف دون الحاجة إلى استئذان طهران.
وفي هذا السياق، توثق تقارير صدرت هذا الشهر حول "آلة تمويل الوكلاء" الإيرانية أن الحوثيين أسسوا شبكة مالية خاصة بهم تبلغ قيمتها مليارات الدولارات، وذلك عبر فرض ضرائب على الوقود، وعائدات الموانئ، وأنشطة التهريب، وهي شبكة أثبتت صمودها رغم سنوات من العقوبات الأمريكية.

ويؤكد تحليل مؤسسة "راند" على النقطة ذاتها؛ إذ إن الإيرادات المستقلة الناتجة عن ضرائب الموانئ منحت قيادة الحوثيين استقلالية لا يمكن أن تتمتع بها قوة تعمل كوكيل حقيقي وتعتمد كليا على خزينة الجهة الراعية لها.
جذور يمنية عميقة
وتعزز الجذور العميقة للجماعة هذه الصورة؛ فهي حركة نشأت محليا كرد فعل على تهميش الدولة اليمنية لها -وهو التهميش الذي أدى إلى سلسلة من الحروب بين الطرفين- وليست حركة مستوردة من طهران، وفق التحليل.
ويقول يانسن: إن الحوثيين سيبقون حتى بعد زوال الجمهورية الإسلامية ذاتها، باعتبارها حركة ترتكز على "قاعدة قبلية ومذهبية زيدية" تمتد جذورها لقرون، وتتعزز الآن بقدرات محلية لإنتاج الطائرات المسيرة والصواريخ، بل وحتى بمساعدة صينية إلى حد ما. وسواء اتفق المرء مع كل تفاصيل هذه الحجة أم لا، فإنها تسلط الضوء على خطر حقيقي يواجه واشنطن، يتمثل في افتراض أن انهيار النظام الإيراني أو استنزافه سيؤدي تلقائيا إلى تحييد التهديد الحوثي.