التغيير يكون بالفكر (الحلقة الأولى)
إذا ما أردنا نهضةً لوطنٍ، فلا مناص إلا بقيام صفوةٍ من المثقفين، يحملون رايات الفكرِ والتنويرِ والمعرفةِ، حين يكون هؤلاء هم طليعة أمة تاقت للخلاص، فينبعث منهم الوعي والتبصرة وإدراك الغد، وكأنهم مشاعلُ نورٍ تبدد ركامًا من الظلام أرخى سدولَه علينا، من هنا كانت محاولتي المتواضعة قدر طاقتي، وقدر معرفتي المحدودة دوما ما تكون في اتجاه تقديم باقة ثقافية متنوعة..
عساها ترشدنا لأيسر السبل المؤدية لعبور الأزمة، كي نأخذ بأنفسنا إلى حيث علاجها وتغييرها من آثار سلبية، علقت بها جراء شيوع ثقافة الهزيمة وجلد الذات واليأس، لتتحول نفوسنا إلى طاقة أمل وإصرار وقد تملكها رؤية واضحة وهى تخط سبيلها صوب التغيير.. هذا وقد رأيت أن أعرض هنا لتلك العناوين الفكرية الهامة ونبدأ بالتالي:
الأمم تُستفز فيأتى أهل التغيير
نعم تغيير الأمم قد يكون ولو بفكرة واحدة تُطلق فى ميقاتها المناسب وتتلقفها الشعوب ساعة إصرارها على الخلاص والانعتاق، مهما تكن التحديات جساما، فمقاومة الاحتلال وإزاحته تكون بفكرة الثبات والموت من أجل الكرامة والإصرار على دحر المحتلين، ويأتى النصر ملبيا ندأ الفكرة ولو كان المحتل يملك من العتاد والعدة ما يملك، وقد قالت تجارب الشعوب على مر التاريخ ذلك..
والأمم تستفزُ كما الأفراد، ويكون استفزازها سببًا فى نهوضها وقيامها من السقوط، فالقدماء المصريون أجدادنا كانوا سادات زمانهم، حين ارتقوا في العلم والحُكم والسياسة مرتقا أعجز الآخرين ملاحقتهم.. فكان ذلك سببًا في استفزاز أمة اليونان لملاحقة ركب التقدم، فانتفض اليونان حين ظهرت لهم نخبة، فراحت نخبتهم على وقع إلحاح أمتهم للخلاص تبحث في خبايا الكون، والعلم عما تقدمه جديدًا ينهض بها..
فكانت نهضة إغريق اليونان جراء استفزاز الفراعنة.. وكأنما النخبة المفكرة هى عقل هذا الجسد المنتفض، الذى هو الأمة، فإن كان العقل حاضرًا كانت انتفاضة الجسد صوب النهوض.. وإن كان العقل غائبًا، كانت انتفاضة الجسد ناحية السقوط والضياع.
فابتداءً من ـالقرن السادس قبل الميلادـ بدأ الطلاب الإغريق يفدون لمصر، ويلتحقون بمدارسها، يقتبسون منها الأصول الأولى لحضارتهم، وكان من هؤلاء فيما بعد أعظم فلاسفة اليونان الذين يُنعتون -بالحكماء السبعةـ ومن هؤلاء (طاليس، وأفلاطون، وفيثاغورث، وديمقرطيس)، وقد دعاهم ملك مصر (إبسمانيك الأول/ 650 ق.م ) أحد أبرز ملوك الأسرة السادسة والعشرون الذي حرر مصر من الآشوريين..
أسس إبسمانيك الأول علاقات وطيدة مع الإغريق وشجع العديد منهم على الاستقرار في مصر، وإنشأ مستوطنات لهم وشجعهم على الانخراط في الجيش المصري، بل إنه دعا طلاب العلم من الإغريق للإقامة فى مدنٍ أسسها للعلم وللعلماء، كي يأخذوا عن كهنة بلاط القدماء المصريين الحكمة، وينقلونها لبلادهم ـاليونان- التى تحالفت مع مصر آنذاك..
وكان نتاج نخبة الإغريق أن قامت إمبراطورية لهم، حكمت ثلثي الكرة الأرضية، لما قامت دولتهم الكبرى على يد الإسكندر المقدوني (336 ق.م) وكان تلميذا للفيلسوف أرسطو.
وإلي الحلقة القادمة