فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

سلام سلاح.. في حضرة عمر المختار

تعلمت أثناء شرف تأدية الخدمة العسكرية في القوات المسلحة من بين ما تعلمت قبل 38 عاما أن نداء «سلام سلاح» ليس مجرد أمر عسكري تقليدي في ساحات العرض والمراسم، بل هو طقس مهيب يُرفع فيه السلاح الشخصي للجندي بحركة جادة ومنضبطة لتأدية أعلى درجات التوقير والاحترام للقادة، والأعلام، ولأرواح الشهداء.


واليوم، وأنا أستدعي سيرة شيخ المجاهدين عمر المختار، لم أجد من هو أحق بهذه التحية الشرفية منه؛ فلطالما آمنت بما قاله إرنست همنجواي في رائعته العجوز والبحر: "الإنسان لم يُخلق للهزيمة.. قد يُدمَر، ولكنه لا يُهزم".
لم أجد تجسيدًا حيا وروحيًا لهذه المقولة الخالدة أصدق من تلك اللحظة المهيبة التي داس فيها عمر المختار على منصة الإعدام، ليرتفع فوق جلاديه هامةً وقامةً ومقامًا. 


قبل 95 عاما وصبيحة السادس عشر من سبتمبر عام 1931، وتحديدًا في معتقل سلوق الذي يبعد 50 كيلومترا عن بني غازي وهو أبشع ما افرزته الحضارة الايطالية في تاريخها، لم تكن آلة البطش الفاشية تلتف حول عنق رجل تجاوز السبعين من عمره، بل كانت تحاول إعدام كرامة أمة، حيث حشدت السلطات الاستعمارية أكثر من عشرين ألف مواطن ليبي قسرًا لمشاهدة شنق زعيمهم الروحي والعسكري لكسر إرادتهم.


كان الجنرال جراتسياني يقف مدججًا بالغرور بعد أن فشلت كل محاولاته العسكرية التقليدية والقمعية، ولجأ لسياسة الأرض المحروقة وزج بما يزيد عن مئة ألف إنسان في معتقلات وحشية، وشيّد 270 كيلومترًا من الأسلاك الشائكة لعزل المقاومة وتجويعها. 

في تلك اللحظة الفارقة، تتجلى أعظم صور التضحيات في التاريخ. لقد ظن المستعمر أن حبل المشنقة هو نقطة النهاية، لكن القائد الذي أعاد هيكلة المقاومة وأرهق الطليان بحرب عصابات خاطفة وكمائن محكمة في أودية الجبل الأخضر من بني غازي الى درنة، حوّل هذا الجبل إلى "شريان خلود". 

لم تكن نظراته تحمل ذرة استعطاف؛ فهو الرجل الذي ركل إغراءات المال والرواتب السخية والإقامة المريحة في مفاوضات "سيدي ارحومة" الشهيرة عام 1929، ورفض التنازل عن سلاحه ورفع راية الاستسلام.

 

وعندما سقط أسيرًا في وادي بوطاقة في 11 سبتمبر 1931 بعد أن قُتل جواده تحته في معركة غير متكافئة، وقف في جلسة استجوابه أمام جراتسيان موثقًا بالسلاسل، ليصفعه بيقين الاحرار  حين سأله عن سبب حربه المستميتة، فأجاب بثبات: "من أجل ديني ووطني، أما الحرب فهي فرض علينا وما النصر إلا من عند الله". 



لم يستغرق الأمر سوى محاكمة صورية دامت ساعة وخمس عشرة دقيقة لتنطق بالإعدام  وينفذ الحكم الصوري بعد خمسة  أيام، لكن المختار، الذي عاش فكرة  خالدة تمشي على قدمين، تقدم للمشنقة بسكينةٍ يتلو قوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ وسط أزيز الطائرات التي حاولت التشويش على صوته. 
لقد انتصر حيًا بصموده الذي استنزف إمبراطورية كاملة، وانتصر شهيدًا بخلوده الذي لا يمحوه الزمن، لتبقى سيرته صفعة على وجه كل مستعمر، ودرسًا بأن الأوطان تُسترد بضريبة الدم، لا بصكوك الاستسلام.



وقبل أن يموت واقفا ترك لنا المختار دروسا لا تنسى أبدا أولها إن القيادة فداء لا امتياز، ففي لحظة الحصار بوادي بوطاقة أدرك المختار استحالة المواجهة، فأمر مقاتليه بالتفرق والنجاة، ورفض الانسحاب بمفرده وظل يطلق النار لتغطية انسحابهم حتى سقط.

القائد الحقيقي في أدبيات المقاومة هو من يتقدم الصفوف متلقيًا الرصاصة الأولى ويفتدي جنوده بروحه، لا من يختبئ في الملاذات الآمنة ليضحي بهم من أجل بقائه. 
 

وأسقط  عمر المختار خرافة التفوق العسكري وأثبت المختار مبكرًا أن إرادة الشعوب تتفوق على أعتى الترسانات فرغم امتلاك إيطاليا للطيران والمدفعية والسيارات المصفحة والسلاح، استطاع بفرسانه القلائل وبنادقهم البسيطة أن يستنزف الإمبراطورية لعقدين كاملين عبر تكتيكات المناورة والكمائن، ليؤكد أن الجغرافيا تقاتل دائمًا في صف أصحابها متى ما امتلكوا عقيدة الصمود.


وأهم الدروس أن المساومات لا تصنع أوطانًا ولاأممًا  حين عرض عليه الاحتلال الإيطالي المال والراحة والمناصب مقابل إنهاء المقاومة، رفض المختار تحويل دماء الشهداء إلى صفقة سياسية أو مكسب شخصي أو وضعها على مائدة التفاوض.


لقد علم الأجيال أن الكرامة لا تُشترى بأموال روما، وأن حقوق الشعوب وسيادتها لا تقبل أنصاف الحلول أو المساومات الرخيصة.

رحم الله شيخ المجاهدين، الذي غادر دنيانا وترك خلفه إرثًا إنسانيًا وعسكريًا يخبرنا بأن المشانق قد تكسر الأعناق، لكنها أبدًا لا تكسر إرادة أمة قررت أن تحيا بكرامة، وتستحق منا جميعًا وقفة إجلال، ولن ننسي كلمته الخالدة "نحن لانهزم أبدًا ننتصر أو نموت".. المجد للشهداء وسلاااااام سلاح..