افتتاح وتدشين ووضع حجر أساس كنائس.. تفاصيل زيارة البابا تواضروس لملوي
في ملوي، لا تبدو زيارة البابا تواضروس الثاني بابا الاسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية مجرد زيارة رعوية عابرة، فالمكان نفسه يحمل طبقات متراكمة من التاريخ، فهنا مرت العائلة المقدسة، وهنا نشأت أديرة وكنائس ارتبطت بقرون طويلة من الرهبنة، وهنا أيضا تحاول الكنيسة أن تقدم صورة جديدة للخدمة، تجمع بين الحفاظ على التراث وبناء الإنسان.
من 15 إلى 17 سبتمبر الجاري، تستقبل إيبارشية ملوي وأنصنا والأشمونين قداسة البابا تواضروس الثاني في زيارة تمتد لثلاثة أيام، وتأتي بعد أكثر من 11 عاما على زيارته السابقة للإيبارشية، وتحمل في توقيتها ومواقعها وبرنامجها أكثر من دلالة، خاصة أنها تتزامن مع مرور 50 عاما على تأسيس الإيبارشية.
الزيارة، التي يستضيفها الأنبا ديمتريوس، مطران ملوي وأنصنا والأشمونين، تجمع بين الصلاة واللقاءات الرعوية وتدشين الكنائس ومتابعة المشروعات الخدمية، لكنها في الوقت نفسه تضع تراث ملوي القبطي في قلب المشهد، من دير أبو حنس وكوم ماريا، إلى دير البرشا ودير آفا فيني المعروف بدير أبو فانا.
البداية من كوم ماريا
تبدأ الجولة يوم الثلاثاء 15 سبتمبر من منطقة دير أبو حنس، حيث يفتتح البابا تواضروس المرحلة الأولى من مشروع «كوم ماريا»، أحد المشروعات المرتبطة بإحياء الموقع الذي يرتبط في التقليد الكنسي برحلة العائلة المقدسة في مصر.
وتكتسب هذه المحطة أهمية خاصة، لأن الزيارة لا تتوقف عند الجانب الروحي أو التاريخي للمكان، وإنما تتصل أيضا بمحاولات تطوير المنطقة وإبراز المواقع المرتبطة بمسار العائلة المقدسة، بما يحمله ذلك من قيمة دينية وتاريخية وسياحية.
وفي دير أبو حنس توجد أيضا كنائس أثرية ارتبطت بتاريخ المنطقة، من بينها كنيسة السيدة العذراء والكنيسة الأثرية للأنبا يحنس، لتصبح المحطة الأولى من زيارة البابا أشبه بفتح صفحة قديمة من تاريخ ملوي القبطي.
من التاريخ إلى قلب المدينة
وفي اليوم الثاني، الأربعاء 16 سبتمبر، ينتقل البابا تواضروس إلى مدينة ملوي، حيث يشهد عددا من الفعاليات داخل مقر المطرانية، من بينها تدشين كاتدرائية القديس مارمرقس الرسول وإقامة القداس الإلهي.
ويحمل هذا اليوم خصوصية إضافية، إذ تقام خلاله احتفالية اليوبيل الذهبي لإيبارشية ملوي، بعد مرور نصف قرن على تأسيسها عام 1976.
وخلال الزيارة يلتقي البابا بعدد من الآباء الكهنة والرهبان والراهبات والخدام وأبناء الإيبارشية، كما يتفقد عددا من المشروعات والأنشطة الخدمية، في زيارة لا تقتصر على الكنائس والأديرة، وإنما تمتد إلى قطاعات الخدمة والرعاية.
ومن بين المحطات اللافتة «مركز الحياة معا» لخدمة الأشخاص ذوي الإعاقة، إلى جانب بيت المكرسات وكنيسة ومدرسة دير الملاك، وهي محطات تعكس الجانب الآخر من الزيارة، المتعلق بالخدمة اليومية والعمل مع الناس.
أبو فانا.. صفحة أخرى من تاريخ ملوي
أما اليوم الثالث، الخميس 17 سبتمبر، فيأخذ الزيارة إلى الجبل الغربي في ملوي، وتحديدا إلى دير آفا فيني المتوحد، المعروف باسم دير أبو فانا.
وهناك يفتتح البابا تواضروس الكنيسة الأثرية بالدير بعد انتهاء أعمال الترميم والتأهيل، في مشهد يجمع بين الحفاظ على أثر قبطي قديم واستمرار الحياة الرهبانية في المكان.
ولأهمية الزيارة، أعلنت إدارة الدير إغلاقه أمام الزائرين والرحلات والخلوات الروحية خلال فترة زيارة البابا، على أن يعاد فتحه أمام الزوار بعد انتهاء الجولة.
ولا تتوقف محطات الزيارة عند أبو فانا، إذ يتضمن البرنامج أيضا زيارة دير البتول للراهبات، والكنيسة الأثرية بدير البرشا، إلى جانب عدد من المواقع والكنائس المرتبطة بتاريخ الإيبارشية.
خمسون عاما.. وملوي تفتح صفحة جديدة
ما يجعل زيارة البابا تواضروس الحالية مختلفة هو أنها تأتي في عام اليوبيل الذهبي للإيبارشية.
فإيبارشية ملوي وأنصنا والأشمونين تأسست عام 1976، وخلال نصف قرن تشكلت داخلها شبكة واسعة من الكنائس والأديرة والخدمات والمشروعات، لتصبح الزيارة مناسبة لاستعادة ما تحقق خلال السنوات الماضية، وفي الوقت نفسه طرح ما تستعد الإيبارشية لبنائه في السنوات المقبلة.
ومن هنا يبدو شعار الزيارة «محبة.. رعاية.. خدمة.. وبناء للمستقبل» متسقا مع طبيعة برنامجها؛ فالزيارة تتحرك بين الكنيسة والأثر، وبين الرهبنة والخدمة، وبين ذاكرة المكان وما يجري العمل عليه اليوم.
زيارة بعد 11 عاما
وتأتي زيارة سبتمبر 2026 بعد الزيارة السابقة للبابا تواضروس إلى ملوي في مارس 2015، والتي شهدت عددا من اللقاءات والصلوات والاجتماعات مع أبناء الإيبارشية والكهنة والخدام.
الفارق الزمني الطويل بين الزيارتين يمنح الجولة الحالية أهمية خاصة بالنسبة لأبناء الإيبارشية، خصوصا أنها تأتي في مناسبة مرور 50 عاما على تأسيسها، وتحمل برنامجا واسعا يضم عددا من أهم مواقعها الدينية والتاريخية والخدمية.
ملوي.. حين يلتقي الماضي بالمستقبل
ربما يكون أهم ما في زيارة البابا تواضروس إلى ملوي أن برنامجها نفسه يحكي قصة المكان.
من كوم ماريا، حيث ذاكرة العائلة المقدسة، إلى الكنائس والأديرة الأثرية التي تحمل تاريخ الرهبنة القبطية، وصولا إلى المشروعات الخدمية ومركز رعاية ذوي الإعاقة وتدشين الكاتدرائية الجديدة؛ تتحرك الزيارة في مساحة زمنية تمتد من قرون مضت إلى ما تحاول الكنيسة أن تبنيه اليوم.
ثلاثة أيام فقط، لكنها تحمل في تفاصيلها حكاية مدينة وإيبارشية؛ حكاية تراث لا تريد الكنيسة أن يبقى مجرد ذكرى، وخدمة تحاول أن تكون أقرب إلى الناس، ومستقبل يجري الإعداد له فوق أرض تعرف جيدا معنى أن يكون التاريخ حاضرا في كل خطوة.