فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

سواد العسل.. قنبلة أطفال الشوارع

"إن المجتمع هو الذي يخلق اللصوص واللئام، وما هؤلاء الأطفال المشردون في الشوارع إلا ثمرة إهمالنا البشع" هذه ليست مقولة لأديب معجون بتراب مصر كنجيب محفوظ أو إحسان عبد القدوس ولا حتى أحمد خالد توفيق، وإنما كلمات لفيكتور هوجو في رائعته البؤساء.

 

في ثمانينيات القرن الماضي، وحين كانت شوارع المحروسة لا تزال تحتفظ ببعض جمالها وطيبتها وملامحها الدافئة، كتبت محذرًا من ظاهرة مأساوية بدأت تطل برأسها القبيح من تحت أقبية الكباري وعلى الأرصفة المنسية.. صرخت وقتها بأعلى صوتي الصحفي بأن أطفال الشوارع ليسوا مجرد إفراز جانبي للفقر، بل هم قنبلة موقوتة سيدفع ثمنها هذا الوطن وأجياله القادمة غاليًا.


لكن، وكالعادة، تبخرت الكلمات في هواء البيروقراطية، واكتفت الأجهزة الرسمية بتسجيل الحضور في دفاتر اللامبالاة وكعادتها عالجت السرطان بمسكنات الصداع.

 

لم أيأس، وفي عام 2006، عدت لفتح هذا الجرح النازف عبر ملف  شامل حمل عنوان اغتيال البراءة، وللصدفة أيضًا كان في جريدة الأحرار وكان مدير تحريرها وقتها الأستاذ عصام كامل، وهو الملف الذي توجني بجائزة منظمة الأمم المتحدة للطفولة UNICEF كان هدفي من الملف هو دق ناقوس الخطر، لعل أحدًا في أروقة صنع القرار ينتفض وهو ما لم يحدث وقتها.

وللإنصاف، لا يمكن إنكار أن النظرة الرسمية قد تغيرت أخيرًا من الوصم إلى الاعتراف وتأسيس قواعد بيانات علمية.


ففي عام 2014، ولأول مرة، نُفذ مسح قومي شامل لـ 2500 بؤرة تجمع، ليضع يدنا على الحجم الحقيقي للظاهرة من وجهة النظر الرسمية على الاقل  بـ 16,019 طفلًا بلا مأوى، بعد أن كانت التقديرات العشوائية في التسعينيات تخيفنا بأرقام تقارب المليوني طفل هذا الحصر الجديد  صفعنا بحقائق ديموغرافية قاسية..

فالظاهرة تتركز بنسبة 88% في الحضر والمدن الكبرى التي تجذب الهاربين من الفقر، ووراء هذا التشرد غياب للأب في 24.6% من الحالات، وأمهات مطحونات في أعمال هامشية بنسبة 24.1%. والمفارقة الأكثر إيلامًا أن 5.8% من هؤلاء الأطفال ليس لهم أهل على الإطلاق.

 

واليوم، وبعد مرور كل هذه العقود، ورغم ضخ الدولة لـ 164 مليون جنيه في برنامج "أطفال بلا مأوى" بالشراكة مع صندوق تحيا مصر لدمج آلاف الحالات، إلا أننا ما زلنا نجني الحصاد المر ونتجرع سواد العسل. أطفال الأمس الذين تُركوا لينهشهم الشارع، كبروا للأسف ليصبحوا آباءً غير أسوياء، فاقدين لبوصلة الانتماء ومثقلين بالتشوه النفسي والانحراف السلوكي نتيجة إدمان مبكر لـ (الكُلة) والمخدرات، التي شكلت وعيهم في الشارع في هذه الحقبة..

وها نحن الآن نقف أمام التحدي الأكثر رعبًا.. الجيل الثاني والثالث من أطفال الشوارع؛ جيل وُلد في الشارع لأبوين مشردين، وغالبا بلا أوراق ثبوتية، وبقناعة تامة أن الأسفلت هو وطنهم الوحيد. ونطالع يوميًا عبر وسائل التواصل مشاهد وفيديوهات تصرخ بأننا ذاهبون إلى طريق الخطر الكامل. لقد تحول المشهد من مجرد تسرب من المدارس، إلى إعادة إنتاج ممنهجة للكارثة.


لغة الأرقام تفضح حجم المعاناة؛ فخط نجدة الطفل (16000) استقبل في عام 2024 وحده أكثر من 453 ألف مكالمة، أسفرت عن 21 ألف بلاغ فعلي! هذا الرنين المستمر هو صرخة استغاثة لمجتمع ينزف في طريق الضياع.

 

ورغم الجهود الوقائية الواضحة لمبادرة حياة كريمة بتشغيل 47 مركزًا لتنمية الأسرة لسد فجوة الفقر في القرى، والقفزة الإنسانية الراقية بتسليم أكثر من 12,400 طفل لمنظومة الأسر البديلة الكافلة لانتشالهم من برودة الملاجئ، إلا أن قنبلة الشارع ما زالت تومض.

 

إن ترك هؤلاء الصغار يسقطون في بئر الجريمة وعصابات الشوارع والاستغلال البشع في تجارة الأعضاء والآداب ليس مجرد فشل تنموي، بل هو خيانة لمفهوم الإنسانية في الأساس.

نحن رغم الجهود ما زلنا  ندور في حلقة مفرغة نُعيد فيها استنساخ أخطاء الماضي بامتياز يحسدنا عليه أعداؤنا، وكأننا لا نريد الخير لهذا البلد، فإلى متى سنظل نغض الطرف عن قنبلة أطفال الشوارع التي نغذيها بتجاهلنا، ونترك البراءة تُغتال كل يوم، على الحكومة والمجلس القومي للطفولة والأمومة ومنظمات المجتمع المدني أن تتحرك بجدية، قبل أن تنفجر الشظايا في وجوهنا جميعًا بلا استثناء..تحركوا يا سادة  قبل فوات الأوان.. فالوطن ليس بحاجة لأجيال جديدة من مصادر الخطر.