الشجرة تحتاج سنوات حتى تصنع ظلا
الشجرة تحتاج سنوات حتى تصنع ظلًا، لكنها قد تُقتلع في دقائق. وربما تختصر هذه العبارة كثيرًا من المعاني التي نحتاج أن نتوقف أمامها. فالشجرة لا تولد كبيرة، وإنما تنمو في صمت؛ تمد جذورها في الأرض، وترفع أغصانها نحو السماء، حتى يأتي يوم تصبح فيه مأوى للعابرين، وملاذًا من حرارة الشمس، وجزءًا من ذاكرة المكان.
والشجرة في هذا المعنى تشبه الأم؛ تمنح من عمرها سنوات طويلة حتى يصنع أبناؤها مستقبلهم. جذورها في التضحية، وأغصانها في الحنان، وظلها هو الأمان. وتشبه كذلك القائد الحقيقي؛ يقف في مواجهة العواصف، ويتحمل المسؤولية، ويوفر لمن حوله مساحة من الحماية والأمل. فالقائد لا يُقاس بمدى وقوفه تحت الضوء، وإنما بقدرته على أن يكون ظلًا للآخرين عندما تشتد حرارة الطريق.
ولهذا فإن الأشجار ليست مجرد زينة في شوارع المدن، بل جزء من حياة الإنسان. تمنحنا هواءً أنقى، وحرارة أقل، ومشهدًا أكثر إنسانية، وتمنح المدينة روحًا لا تستطيع الخرسانة أن تصنعها.
وفي القاهرة، حيث قسوة الشمس والزحام، تصبح زيادة الأشجار والمساحات الخضراء ضرورة حضارية. ومن المؤسف أن تُعامل أحيانًا شجرة عمرها عشرات السنين باعتبارها عائقًا يمكن إزالته بسهولة، بينما هي في الحقيقة ذاكرة حية للمكان.
إن زراعة شجرة اليوم هي فعل من أفعال الإيمان بالمستقبل؛ فقد لا نجلس نحن تحت ظلها، لكن أبناءنا سيفعلون.
وهنا تكمن أجمل رسالة تمنحنا إياها الأشجار: ليس المهم كم ارتفع جذعك، وإنما كم اتسع ظلك. فالأم، والقائد، والمعلم، والإنسان الذي يترك أثرًا طيبًا في حياة الآخرين، جميعهم يصنعون ظلالًا يستريح تحتها غيرهم.
فلنزرع الأشجار، ولنحافظ عليها؛ لأن الشجرة تحتاج سنوات حتى تصنع ظلًا، ويستحق هذا الظل أن نحميه من تسرع قرار القطع.