11 سبتمبر بعد 25 عامًا، كيف استُدرجت واشنطن لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط بالدم؟
في مثل هذا اليوم 11 سبتمبر من عام 2001، لم تكن أربعة طائرات مدنية مختطفة تضرب أبراج مركز التجارة العالمي ومقر البنتاجون فحسب، بل ضربت خريطة التوازنات العالمية، واشتعلت الحرب العالمية على الإرهاب، وهي اللحظة التاريخية التي جعلت الشرق الأوسط الساحة الرئيسية والأكثر تضررًا من الانعكاسات الاستراتيجية والأمنية والعسكرية لتلك الهجمات على مدى ربع قرن كامل.
خلفيات ما قبل تفجيرات واشنطن
لم تكن هجمات الحادي عشر من سبتمبر وليدة لحظتها، بل جاءت تتويجًا لمسار ممتد من التحولات العميقة التي شهدها الإقليم خلال عقد التسعينيات على رأسها تداعيات حرب الخليج الثانية (1991)، حيث أسفرت عن تمركز عسكري أمريكي دائم ومباشر في منطقة الخليج العربي، مما أثار غضب الجماعات المتشددة وعلى رأسها تنظيم القاعدة، والذي جعل الوجود الأمريكي في المنطقة الهدف الأول لعملياته.
حسب خبراء، شهدت التسعينيات تعثرًا كاملًا لعملية السلام في الشرق الأوسط عقب اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، إلى جانب اشتداد الأزمات الاقتصادية والسياسية داخل العديد من الدول العربية، مما خلق بيئة خصبة لاستقطاب الجماعات المتطرفة وتنامي الخطاب المتطرفة العابر للحدود.
كواليس أحداث 11 سبتمبر.. ساعات هزت النظام العالمي
في صباح ذلك الثلاثاء، اخترقت أربع طائرات ركاب تجارية المجال الجوي الأمريكي في عملية تكتيكية غير مسبوقة، واستهدفت طائرتان برجَي مركز التجارة العالمي في نيويورك لتهوي المحركات والأنقاض على رأس الاقتصاد العالمي، فيما ضربت طائرة ثالثة مقر وزارة الدفاع الأمريكية البنتاجون في واشنطن، وسقطت الرابعة في بنسلفانيا قبل تحقيق هدفها.
وأسفرت الهجمات عن مقتل نحو 2977 ضحية، وأعلنت إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن حالة الحرب، متبنية عقيدة "من ليس معنا فهو ضدنا"، وهو المبدأ الذي شرعن التدخل العسكري المباشر وإعادة رسم خريطة التحالفات والتدخلات الخارجية دون الحاجة للغطاء الدولي التقليدي.
تداعيات الأزمة.. تفكيك الإقليم وإعادة تشكيل مراكز القوى
أعادت واشنطن صياغة سياساتها تجاه الشرق الأوسط عبر أدوات القوة الصلبة، مما أدى إلى سلسلة من الأزمات المتتالية التي غيرت شكل المنطقة كليًا، حيث أقرت غزو أفغانستان (2001) والعراق (2003) وأدى إسقاط نظام صدام حسين إلى تفكيك مؤسسات الدولة العراقية، واختلال ميزان القوى الإقليمي لصالح النفوذ الإيراني، وفتح الباب على مصراعيه أمام صعود الجماعات الإرهابية الأكثر راديكالية مثل تنظيم "داعش".
وفي الوقت نفسه، تراجعت مشاريع التنمية والإصلاح السياسي لصالح المقاربات الأمنية لمكافحة الإرهاب، مما أثر على الاستقرار الداخلي لعدد من دول المنطقة ومهد لاندلاع موجات عدم الاستقرار اللاحقة.
يقول الباحث والمؤلف الأمريكي لورانس رايت في كتابه الأهم "البروج المشيدة": لم تكن هجمات الحادي عشر من سبتمبر مجرد نصر عسكري خاطف لتنظيم القاعدة، بل كانت استدراجًا مدمرًا للقوة العظمى الوحيدة في العالم نحو الفخ الأفغاني والعراقي، بعد أن نجح أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة آنذاك، في دفع واشنطن لإقحام جيوشها في قلب العالم الإسلامي، مما يحقق الغاية الأولى للتنظيم، بتحويل الصراع من حرب عصابات خفية إلى مواجهة مباشرة ومفتوحة على أرض الشرق الأوسط.
وأضاف لورانس: النتيجة الحاسمة لهذا الاستدراج الاستراتيجي لم تكن القضاء على الإرهاب، بل تفكيك البنية الاجتماعية والسياسية لمدن وحضارات بأكملها، حيث تحول الشرق الأوسط عقب 2001 إلى ساحة تجارب مفتوحة للعقائد العسكرية الغربية، مما أنتج أجيالًا جديدة من الجماعات الأشد خطورة، وألغى المساحات الفاصلة بين الدولة الوطنية والمليشيات المسلحة.
من ناحية أخرى، تؤكد دراسة صادرة عن مركز بروكنجز للأبحاث أن الخطأ الاستراتيجي الأكبر للإدارات الأمريكية المتعاقبة عقب هجمات سبتمبر تجسد في افتراض أن الديمقراطية والتغيير يمكن فرضهما عبر القوة العسكرية، موضحة أن غزو العراق عام 2003 أدى إلى اقتلاع ركن أساسي في منظومة التوازن الإقليمي، ودمر حائط الصد الذي كان يمنع تمدد النفوذ الإقليمي الإيراني نحو الفضاء العربي.
وتوضيح الدراسة أن الفاتورة الأكثر قسوة للحرب على الإرهاب لم تدفع في واشنطن، بل دفعها أبناء الشرق الأوسط من أمنهم واستقرارهم وهويتهم الوطنية، وتسببت هذه العقود الثلاثة من التدخلات في إنتاج أزمات لجوء غير مسبوقة، وتراجع معدلات التنمية الاقتصادية، وتحول الإقليم إلى بؤرة دائمة للاستقطاب الدولي.