فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

من الجلابية و18 ألف جنيه إلى «الطابونة» و«معندكيش ضمير»

أحمد رأفت يكتب: محافظو «اللقطة».. حين تتحول الجولات المفاجئة من رقابة على الأداء إلى مشاهد توبيخ أمام الكاميرات

جولة محافظ القليوبية..
جولة محافظ القليوبية.. صورة مولدة بالذكاء الإصطناعي

يدهشني أن تتحول الجولة المفاجئة للمحافظ، وهي في الأصل واحدة من أهم أدوات الإدارة المحلية لاكتشاف ما تخفيه التقارير والمكاتبات، إلى مادة جاهزة للترند، وأن يصبح المشهد الذي يجمع المحافظ بموظف مرتبك أمام الكاميرا أهم من المشكلة التي نزل المحافظ أصلًا لاكتشافها، وأن تتحول الجملة القاسية إلى عنوان للإنجاز، بينما يختفي من المشهد السؤال الأهم: ماذا حدث بعد انتهاء التصوير؟ وهل تغيرت المدرسة؟ وهل عاد الفصل إلى الطلاب؟ وهل انتظم المستشفى؟ وهل انخفضت شكاوى المواطنين؟ وهل عولجت المشكلة من جذورها أم أن الموظف الذي ظهر أمام الكاميرا أصبح وحده عنوان الأزمة؟

 أنا لا أتحدث عن رفض الجولات المفاجئة، ولا عن حماية المقصرين، ولا عن مطالبة المحافظ بأن يتعامل مع المخالفات برفق يصل إلى حد التراخي، وإنما أتحدث عن ظاهرة أصبحت تستحق التوقف عندها، وهي تحول بعض الجولات من أداة للرقابة والمحاسبة إلى مشاهد إعلامية قائمة بذاتها، يكون فيها المحافظ الغاضب بطل القصة، ويصبح الموظف الذي يقف أمامه هو المتهم قبل أن يبدأ التحقيق أصلًا.

القليوبية.. «الجلابية» التي أصبحت عنوانًا لقرار لم تكن هي سببه

أحدث الوقائع وأكثرها وضوحًا جاءت من محافظ القليوبية قبل يومين، عندما أجرى جولة مفاجئة على عدد من المدارس استعدادًا للعام الدراسي، واكتشف في مدرسة برقطا الإعدادية مشكلات تتعلق بالنظافة والمقاعد وحالة المبنى، إلى جانب ظهور مدير المدرسة مرتديًا الجلباب أثناء أعمال التجهيز، فوجه إليه انتقادات حادة وانتهت الجولة باستبعاده من منصبه. 

البداية كانت طبيعية، محافظ يزور مدرسة، يجد ملاحظات، يواجه المدير، ثم يتخذ قرارًا، لكن الكاميرا دخلت على الخط، وانتشر عنوان أن المحافظ أطاح بمدير المدرسة بسبب «الجلابية»، حتى أصبحت الجلابية هي القضية نفسها، بينما تراجعت المشكلات الحقيقية التي اكتشفها المحافظ داخل المدرسة إلى الخلفية.

ثم جاءت المفارقة التي تكشف مشكلة «اللقطة» بأوضح صورة، فقد خرجت محافظة القليوبية في اليوم التالي لتؤكد أن قرار إعفاء مدير مدرسة برقطا لم يكن بسبب ارتدائه الجلباب، وإنما بسبب عدم اتخاذه الإجراءات اللازمة للتعامل مع الملاحظات التي تم رصدها داخل المدرسة، وعدم طلب الدعم من الجهات المختصة والاكتفاء بالمشاهدة، أي أن العنوان الذي انتشر على نطاق واسع لم يكن هو السبب الإداري الذي قالت المحافظة لاحقًا إنه وراء القرار.

وهنا يجب أن نتوقف طويلًا أمام المسألة، لأن القضية لم تعد جلابية مدير مدرسة، وإنما أصبحت متعلقة بطريقة صناعة الخبر نفسه داخل الجولات الميدانية؛ فإذا كان السبب الحقيقي للاستبعاد هو التقصير في التعامل مع مشكلات المدرسة، فلماذا طغت صورة المدير بالجلابية على الواقعة؟ وإذا كانت الجلابية مجرد تفصيلة عابرة في الجولة، فلماذا أصبحت هي العنوان الذي عرف به الجمهور القرار؟ وإذا كانت المحافظة نفسها اضطرت في اليوم التالي إلى شرح أن الجلابية ليست سبب الإعفاء، فهذا يعني أن اللقطة سبقت الحقيقة الإدارية، وأن المشهد المصور استطاع خلال ساعات أن يصنع رواية أقوى من الرواية الرسمية التي جاءت بعد ذلك.

والأخطر أن أزمة مدرسة برقطا نفسها كانت تحمل مشكلات أقدم بكثير من الجلابية؛ فالتغطية الميدانية كشفت عن أزمات في البنية الأساسية وظروف صعبة يعيشها الطلاب منذ سنوات، وهو ما يجعل اختزال الجولة في ملابس المدير أو حتى في شخص المدير نفسه أمرًا غير كافٍ لفهم الحقيقة كاملة. 

هل المشكلة كلها في مدير المدرسة؟ وهل استبعاده وحده سيحل أزمة المبنى والسور والمرافق؟ أم أن المسؤولية تمتد إلى سلسلة طويلة من الجهات التي كان يفترض أن ترى المدرسة قبل أن يصل إليها المحافظ؟ هنا تحديدًا تظهر قيمة الرقابة الحقيقية؛ لأن اكتشاف الخلل لا يعني بالضرورة اكتشاف المسؤول الوحيد عنه.

مديرة كفر الجزار.. من مشكلة الصيانة إلى معركة «18 ألف جنيه»

وفي الجولة نفسها ظهرت واقعة أخرى أكثر دلالة، داخل مدرسة الشهيد أحمد سمير بكفر الجزار، عندما انتقد المحافظ مستوى النظافة وحالة المقاعد وبعض أعمال الصيانة والمرافق، فردت مديرة المدرسة بأنها تحملت هي ووكيلة المدرسة من مالهما الخاص مبالغ وصلت إلى نحو 18 ألف جنيه لتوفير احتياجات للمدرسة، وعرضت مستندات ومخاطبات تتعلق بأعمال الصيانة والمرافق، وقالت إن الإدارة التعليمية كانت ترد عليها في أوقات سابقة بأنه «مفيش فلوس». 

وهنا لم تعد المشكلة هي المدرسة ومرافقها ونظافتها وصرفها ومقاعدها، وإنما أصبحت القصة على مواقع التواصل معركة بين محافظ ومديرة: محافظ يعنف، ومديرة تقول إنها صرفت من جيبها، ومتابعون يطالبون بتكريم المديرة، ثم تظهر في اليوم التالي رواية أخرى من المحافظة تؤكد أن المديرة لم تقدم ما يثبت إنفاقها أموالًا من مالها الخاص، وأن ما ثبت هو حصولها على مبالغ من مقاول مكلف بأعمال إزالة مبنى آيل للسقوط، مع تأكيد المصدر أن المديرة كانت قد خاطبت الإدارة التعليمية بالفعل بشأن مشكلات المدرسة. 

وهنا نحن أمام واقعة لا يجوز أن تدار بمنطق «من كسب الفيديو»، لأن المدرسة نفسها كانت تعاني مشكلات حقيقية في المرافق والصرف والنظافة والمقاعد، والمحافظة عادت لمتابعة أعمال رفع الكفاءة وتنفيذ التكليفات التي صدرت خلال الجولة. 

«الطابونة» و«التكية».. عبارات تبقى أطول من القرارات

المشكلة ليست جديدة، ولا تخص محافظ القليوبية وحده، ففي سبتمبر 2025، دخل محافظ بورسعيد السابق اللواء محب حبشي مدرسة القابوطي الإعدادية بنات خلال جولة لمتابعة انتظام الدراسة، واكتشف خروج خمس طالبات من المدرسة بعد الطابور الصباحي، وعندما سأل إحدى الطالبات عن سبب خروجها قالت إنها خرجت لشراء الخبز، فرد المحافظ على مديرة المدرسة: «إحنا عايشين في طابونة»، ثم وجه بإحالتها للتحقيق بسبب عدم الانضباط.

وفي المنيا تكرر الأمر عندما دخل المحافظ اللواء عماد كدواني مدرسة أشروبة الثانوية ببني مزار، واكتشف تحويل فصل دراسي إلى مكتب لمدير المدرسة، فواجهه أمام الكاميرا قائلًا: «هي تكية؟ ده مش مكتب ده فصل»، ووجه بإعادة الفصل إلى وظيفته التعليمية واتخاذ الإجراءات اللازمة. 

وفي سوهاج، اكتشف المحافظ خلال جولة في إحدى المدارس تحويل معمل العلوم إلى فصل دراسي، ووجد داخله أسطوانة بوتاجاز، ووجه بإحالة مدير المدرسة للتحقيق، وهي أيضًا واقعة تستحق الفحص والمحاسبة، لكن المحاسبة الحقيقية تبدأ من تحديد من اتخذ القرار، ومن وافق عليه، ولماذا لم تكن هناك متابعة من الإدارة التعليمية، وليس فقط من ظهر أمام المحافظ لحظة دخوله.

سوهاج.. «معندكيش ضمير» التي وصلت إلى رئيس الوزراء

أكثر الوقائع دلالة على خطورة هذا الأسلوب جاءت في يوليو 2024، عندما دخل محافظ سوهاج مستشفى المراغة المركزي، وواجه طبيبة في الاستقبال بسبب واقعة تتعلق بعدم الكشف على طفل قبل استكمال إجراءات التذكرة، وقال لها أمام الكاميرات: «معندكيش ضمير.. مفيش إحساس»، ثم أمر بإحالتها ومدير المستشفى للتحقيق. 

وبعد انتشار الفيديو تدخلت نقابة الأطباء، وقالت الطبيبة إنها كانت تتبع الإجراءات المعمول بها، وتحولت الواقعة من جولة تفتيش إلى أزمة بين المحافظة والأطباء، ثم وصل الأمر إلى رئيس الوزراء الذي اعتذر للطبيبة وأكد أن من حق المحافظ اتخاذ الإجراءات اللازمة لصالح المواطن دون تجاوز في حق العاملين.

الدقهلية.. عندما يصبح «مليون واحد غيرك» جزءًا من الإدارة

المشهد لم يعد مقصورًا على المدارس والمستشفيات، ففي الدقهلية، ظهر المحافظ اللواء طارق مرزوق خلال جولة بالمركز التكنولوجي في جمصة وهو يوجه انتقادات لمدير المركز بسبب مستوى الخدمة، وانتهى الأمر بإحالته للتحقيق، لكن العبارة التي تصدرت المشهد كانت: «لو مش قادر تديره في مليون واحد يتمنى».

الدقهلية أيضًا.. المواطن نفسه دخل «اللقطة»

وفي واقعة أخرى، ظهر محافظ الدقهلية خلال جولة داخل منزل ريفي في مركز أجا، وبجوار أسرة مسنة أكياس من الخبز المدعم، فأمر بمصادرة الأكياس ووجه بتصوير الواقعة، وانتشر الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي. 

الدقهلية 2020.. «مديرة فاشلة» وواقعة الشباك

وقبل كل هذه الوقائع بسنوات، كانت هناك واحدة من أشهر الوقائع، عندما زار محافظ الدقهلية وقتها أيمن مختار مدرسة عمر مكرم بدكرنس، وخلال الجولة ناقش مع المديرة نقل فصل الحضانة بسبب ضعف الإضاءة، ثم رأى أن تنظيف شباك الألوميتال قد يحل المشكلة، فقام بخلع إحدى ضلف الشباك بنفسه وطلب من المديرة أن تفعل الأمر نفسه، ثم قال لها أمام الكاميرات: «أنتِ مديرة فاشلة»، وأصدر قرارًا بإعفائها من منصبها.

لكن القصة لم تنته عند الفيديو، فقد قدمت المديرة لاحقًا رواية أخرى حول سبب وجود الشباك، ثم استقبلها المحافظ في مكتبه وقال إنه لم يقصد إهانتها، وهو ما يعيدنا مرة أخرى إلى النقطة نفسها: القرار الذي يبدو حاسمًا أمام الكاميرا قد يحتاج إلى احتواء ومراجعة بعد أن تهدأ الضجة.

الشرقية 2015.. الحكاية أقدم من السوشيال ميديا

ولو عدنا إلى الوراء أكثر، سنجد أن ظاهرة المسؤول الغاضب أمام الكاميرا ليست وليدة فيسبوك أو تيك توك، ففي 2015 ظهر محافظ الشرقية الأسبق رضا عبد السلام وهو يوبخ عامل نظافة وجده نائمًا أثناء وقت العمل، وقال العبارة التي التصقت بالواقعة حتى اليوم: «جتنا نيلة في حظنا الهباب»، ثم طلب إحضار رئيس الحي وقرر إيقاف العامل وإحالته للتحقيق. 

المحاسبة شيء.. وإهانة الموظف شيء آخر

لا أحد يطلب من المحافظ أن يتساهل مع المقصرين، بل إن المحافظ الذي يتجاهل مدرسة متدهورة أو مستشفى غير منضبط أو مركزًا حكوميًا يعاني شكاوى المواطنين لا يؤدي دوره كما يجب، لكن المحاسبة لها قواعد، والتحقيق له إجراءات، والقرار الإداري له أسباب يمكن الدفاع عنها، وكل ذلك أقوى بكثير من جملة غاضبة أمام الكاميرا. والمشكلة الأخطر أن بعض هذه الجولات قد تجعل الموظف يخاف من اللقطة أكثر مما يخاف من المخالفة؛ يصبح همه ألا يجد المحافظ شيئًا عليه، وألا يظهر في فيديو، وألا تتحول صورته إلى مادة للسخرية، بدل أن يصبح همه تقديم خدمة جيدة للمواطن.

نحن لا نحتاج محافظًا يعرف أين توجد الكاميرا، وإنما نحتاج محافظًا يعرف أين توجد المشكلة، ومن المسؤول عنها، ولماذا حدثت، وكيف يمنع تكرارها، وهذا هو الفارق بين محافظ يصنع لقطة ومحافظ يصنع إدارة.