جيش له تاريخ (الحلقة الثانية)
ولازلنا مع تاريخ الجيش المصري العظيم إذ تحايل الخديوي إسماعيل (1863م – 1879م) على الرقابة الدولية، إذ تمكن من زيادة قوة الجيش إلى 30 ألف جندي، وقام بحملة تطوير وتحديث للجيش المصري وفق أسس عصرية تواكب المتغيرات الطارئة، فقام بضم أطراف السودان وصولًا للصومال، الأمر الذي أزعج الغرب الأوروبي، فتحالفت عليه فرنسا وإنجلترا (1875م) وصدَّروا له مشكلة الديون المتراكمة على مصر لابتزازه، والتي قد بلغت آنذاك 91 مليون دينار..
ومن ثمَّ كانت تلك هي ذريعة التدخل في الشأن المصري، وإذا بقادة الجيش ممن تخرجوا في مدرسة الضباط، يلتفون حول كبيرهم أحمد عرابي فأطلقوا ثورتهم (1882م) ضد التدخل الأجنبي، وضد الأتراك المحتكرين لمنصب ناظر الحربية.
وعلى فورها تحركت بريطانيا واحتلت مصر في 14 ديسمبر 1882، ومن ثمَّ توجهت لهدفها الرئيس -حل الجيش المصري لإعادة بنائه من جديد وفق معايير التبعية وتجريده من مصادر القوة ومظاهر الوطنية- وتأتي الأقدار بما يبعث الحياة في الجيش المصري من جديد..
إذ قامت الحرب العالمية الأولى (1914م- 1918م) ودخلت الدولة العثمانية في حلف مع النمسا وألمانيا، ضد إنجلترا وحلفائها، فردت إنجلترا بنزع سيادة الدولة العثمانية عن مصر، عبر قرارها فرض الحماية على مصر فى 14 ديسمبر 1914م، ويتلقى السلطان حسين كامل خطابًا باسم الحكومة البريطانية عبر المندوب السامي البريطاني مفاده: (أن زوال السيادة العثمانية يزيل القيد الذي كان يحدد عدد الجيش المصري بثمانية عشر ألف جندي)..
فقد اقتضت الضرورة الاستفادة من الجيش المصري في الحرب الدائرة في أوروبا، وذلك عن طريق زيادة عدد قواته.
وخلال السنوات الأربع للحرب استطاع الجيش المصري تطوير حجمه، وتحديث تسليحه بما يمكنه من تأمين البلاد في الداخل والخارج. وبعد أن انقضت حاجة الإنجليز من الجيش المصري، ساورهم القلق من تعاظم قوته إبان سنوات الحرب العالمية الأولى، فتربصوا به الفرص حتى اندلعت ثورة 1919..
وعملت بريطانيا طوال الوقت على احتوائها، وتم لها ذلك بإعلان مصر مملكة دستورية مستقلة فى 28 فبراير 1922، وانتزعت بريطانيا بموجب هذا الإعلان من الملك فؤاد الأول ما تعتبره حقها في الدفاع عن قناة السويس، ليتسنى لها التداخل في المهام مع الجيش المصري الوطني ومن ثمَّ اختراقه.
ومرة أخرى تأتى الأقدار في صالح تقوية الجيش، فقد ساعدت ظروف اندلاع الحرب العالمية الثانية (1939م – 1945م) على تقوية الجيش المصري أكثر فأكثر، حيث تولى مهام الدفاع عن قناة السويس ضد الغارات الجوية، وكذا الدفاع الجوي عن المطارات وعن المدن الكبري، والدفاع الساحلي على جميع الموانئ البحرية، وحراسة المرافق العامة ومرتكزات القوي.
وبدأ الجيش المصري يخطو ناحية النهوض بأمن المنطقة في حرب 1948م حيث كان في صف القتال الأول فى تلك الحرب التي كانت سببًا في تدشين تنظيم الضباط الأحرار في سبتمبر 1949م ليواصل الجيش نضاله ضد الإنجليز في الداخل، وذلك باعتلائه السلطة في ثورة يوليو 1952م..
الأمر الذي مكنه من التفاوض مع المحتل الإنجليزى للجلاء عن مصر، وتم له ذلك في 1954م الأمر الذي تسبب في تحالف قوى الشر الغربية على مصر في عدوانها الثلاثي عام 1956م، واستبسل الجيش وخلفه الشعب دفاعًا عن الوطن، وأتت هزيمة يونيو 1967م لتسدد للجيش ضربةً كادت أن تميته، إلا إن الجيش لم يستسلم، واستأنف قتاله للصهاينة فيما يُعرف بحرب الاستنزاف، تلك التي أرهقت العدو وكانت إرهاصة النصر الأعظم في السادس من أكتوبر 1973م.
ويواصل الجيش دوره في صد حملات استهداف الوطن، فيقف صامدًا مستبسلًا أمام موجة الخريف العربي (2011م) موجة المؤامرة الكبرى تلك التي راحت تعربد في المنطقة بغية إسقاط الدولة تحت ذريعة إسقاط النظام، إذ بدأت بتونس، ثم انتقلت إلى مصر في 25 يناير، ثم إلى ليبيا، فاليمن ومنها إلى سوريا، لتكون نهايتها في 30 يونيو 2013 على يد الشعب المتمترس خلف جيشه الوطني وشرطته الباسلة، حين يؤدى الجيش دوره في حماية البلاد في الداخل كما الخارج..
فهل يمكن لحفنة من الإرهابيين المدفوعين من الخارج الذى أغضبه سقوط جماعة متأسلمة، راهنت أمريكا عليها في تفكيك المنطقة! هل يمكن لهم النيل من هذا الجيش الذي صارع خطوب الزمان! وبقي هذا الجيش لتبقى مصر عصية على الإنكسار! بل لتبقى المنطقة العربية صامدةً في وجه المؤامرات.. ليقف الجيش المصري الوطني شامخًا ليعلم الدنيا درسًا في الذود عن الأوطان، بالغالي والنفيس من الأرواح، الأرواح التي ارتقت شهداء في أعلى عليين..