خالد شيخ محمد.. عقل بن لادن المدبر الذي غير وجه العالم قبل ربع قرن.. من هندسة هجمات 11 سبتمبر إلى أغرب محاكمة في التاريخ الأمريكي الحديث
خالد شيخ محمد، من وجه أبيض ممتلئ، وشعر أسود كثيف، وعينين واسعتين، إلى وجه نحيل غيرت عقارب الزمن ملامحه، وشعر أبيض وعينين غائرتين تبدوان وكأنهما تخفيان أكثر مما تكشفان؛ هكذا بدا العقل المدبر لهجمات 11 سبتمبر 2001 خالد شيخ محمد بعد 23 عاما من سنوات الاستجواب والمحاكمات المؤجلة حتى 5 يونيو 2028!
فمن باكستان والكويت إلى أفغانستان، ثم الولايات المتحدة وجوانتانامو، امتدت رحلة خالد شيخ محمد عبر محطات شكلت أحد أكثر القصص إثارة للجدل في تاريخ الإرهاب الحديث. فالرجل الذي ارتبط اسمه بالتخطيط لهجمات 11 سبتمبر 2001 قبل ربع قرن، تحول لاحقا من شخصية أمنية مطاردة إلى محور لمعركة قانونية أمريكية معقدة.

ولد خالد شيخ محمد عام 1965، وسط خلاف في المصادر بشأن مكان ميلاده بين الكويت وبلوشستان الباكستانية، لكنه نشأ في الكويت داخل أسرة تعود أصولها إلى البلوش. كان والده إمام مسجد، فيما عملت والدته في غسل جثامين المسلمات المتوفيات، قبل أن تتغير حياة الابن بصورة جذرية مع انتقاله من الدراسة إلى مركز صناعة القرار في تنظيم القاعدة.
الطريق إلى بن لادن
لم يكن طريق خالد شيخ محمد في بدايته مرتبطا بالقتال أو التنظيمات المسلحة. فقد توجه في شبابه إلى الولايات المتحدة للدراسة، وحصل عام 1986 على شهادة في الهندسة الميكانيكية من إحدى جامعات كارولاينا الشمالية، قبل أن يعود لاحقا إلى باكستان، حيث حصل على درجة ماجستير في الثقافة الإسلامية والتاريخ من جامعة البنجاب.

لكن التحولات السياسية والعسكرية التي شهدتها المنطقة دفعت مساره في اتجاه مختلف. فقد انتقل إلى أفغانستان، حيث التقى القيادي عبد الرسول سياف، الذي أشارت لجنة التحقيق الأمريكية في هجمات 11 سبتمبر إلى تأثيره في مسار خالد شيخ محمد. وفي عام 1996 التقى أسامة بن لادن، ليبدأ مرحلة جديدة من التقارب مع دوائر تنظيم القاعدة، وينتقل تدريجيا من خلفية أكاديمية وهندسية إلى أحد أبرز الأسماء المرتبطة بالتخطيط لهجمات 11 سبتمبر.
الفكرة التي سبقت الهجمات
لم يظهر اسم خالد شيخ محمد للمرة الأولى مع هجمات 11 سبتمبر 2001، بل سبقتها سنوات من المخططات والعمليات ومحاولات الاستهداف التي أسهمت في تشكيل مساره داخل دوائر التنظيمات الجهادية. وكانت صلته بابن شقيقه رمزي يوسف إحدى أبرز المحطات في هذا المسار؛ إذ ارتبط يوسف بتفجير مركز التجارة العالمي في نيويورك عام 1993، والذي أسفر عن مقتل ستة أشخاص.

وفي منتصف التسعينيات، برز اسم خالد شيخ محمد مجددا في مخطط "بوجينكا"، الذي وضعه، بحسب السلطات الأمريكية، بالتعاون مع رمزي يوسف في يناير 1995. وتضمنت الخطة سلسلة هجمات واسعة النطاق، بينها اغتيال البابا يوحنا بولس الثاني، وتفجير عدد من طائرات الركاب المتجهة من آسيا إلى الولايات المتحدة، فضلا عن إسقاط طائرة على مقر وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في فرجينيا.
وكان الهدف من المخطط إيقاع آلاف الضحايا وتعطيل حركة الطيران على نطاق واسع، إلا أن الخطة انهارت قبل تنفيذ مراحلها الرئيسية، بعدما لفت حريق كيميائي في شقة بمانيلا انتباه الشرطة الفلبينية في يناير 1995. ولم يتمكن يوسف وخالد شيخ محمد من تنفيذ المخطط كما تصوراه، رغم أن تجربة مرتبطة به أسفرت عن مقتل شخص وإصابة عشرة آخرين على متن رحلة تابعة للخطوط الجوية الفلبينية، إلى جانب زرع قنابل أخرى في مواقع داخل الفلبين.
ولم تكن أهمية "بوجينكا" في حجم الهجوم الذي نُفذ فعليا، بل في الأفكار التي حملها المخطط. فقد اعتبرت لجنة التحقيق الأمريكية في هجمات 11 سبتمبر أن بعض التصورات التي ظهرت خلال هذه العملية شكلت جذورا مبكرة لفكرة استخدام الطائرات المدنية كسلاح، وهي الفكرة التي ستظهر لاحقا بصورة أكثر تطورا في هجمات سبتمبر.
صباح غير وجه العالم
بحسب لائحة الاتهامات الأمريكية، كان خالد شيخ محمد صاحب التصور الأساسي لاستخدام الطائرات في هجوم واسع داخل الولايات المتحدة، قبل أن يعرض الفكرة على قيادة تنظيم القاعدة، وعلى رأسها بن لادن. ومن هناك بدأت مرحلة مختلفة تقوم على تحويل الفكرة من تصور إرهابي إلى عملية معقدة متعددة المراحل، شملت اختيار الأهداف، وتجنيد المنفذين، وإعدادهم وتوزيع أدوارهم.

ففي صباح 11 سبتمبر 2001، دخل العالم مرحلة جديدة. فقد اختطف 19 عنصرا من تنظيم القاعدة أربع طائرات مدنية أمريكية، قبل أن تصطدم طائرتان ببرجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، وتضرب ثالثة مبنى البنتاجون، فيما تحطمت الرابعة في ولاية بنسلفانيا بعد مقاومة الركاب للخاطفين.
وأودت الهجمات بحياة نحو ثلاثة آلاف شخص، وأطلقت بعدها الولايات المتحدة حملة عالمية واسعة لملاحقة تنظيم القاعدة وقياداته وكل من اتهم بالمشاركة في التخطيط للهجمات أو تنفيذها. وفي قلب تلك المطاردة برز اسم خالد شيخ محمد، الذي وصفته السلطات الأمريكية بأنه العقل المدبر لهجمات سبتمبر، وأصبح أحد أبرز المطلوبين في العالم.
لكن الرجل الذي حملت إليه واشنطن مسؤولية التخطيط للعملية لم يكن موجودا في أي من مواقع الهجمات يوم تنفيذها؛ إذ تمحور دوره، وفقا للاتهام الأمريكي، حول السنوات التي سبقت ذلك اليوم، عندما جرى تطوير الأفكار، وبناء المخططات، وتحويل التصورات إلى عملية معقدة غيّرت شكل الأمن والسياسة الدوليين.
الاعتقال الذي فتح بابا آخر
في مارس 2003، ألقت السلطات الباكستانية القبض على خالد شيخ محمد، في عملية اعتبرت آنذاك واحدة من أبرز عمليات ملاحقة قيادات تنظيم القاعدة. غير أن الاعتقال لم يفتح الطريق مباشرة أمام محاكمة علنية، بل قاد إلى فصل أكثر غموضا وتعقيدا في قضيته.
فقد نقل خالد شيخ محمد إلى شبكة من السجون السرية التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، حيث خضع للاحتجاز والاستجواب لسنوات. وظل وجوده ومكان احتجازه محاطين بالسرية، قبل أن يظهر مجددا على الملأ عندما نقلته إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش إلى معتقل جوانتانامو في سبتمبر 2006، بحسب تقارير أمريكية.
التحقيق الذي تحول إلى عقبة أمام المحاكمة
لم تنته رحلة خالد شيخ محمد عند الاعتقال؛ فخلف أبواب السجون السرية بدأت معركة أخرى، سرعان ما تحولت من محاولة انتزاع المعلومات إلى أزمة تهدد مستقبل المحاكمة نفسها. فقد كشف تقرير لمجلس الشيوخ الأمريكي عام 2014 أن خالد شيخ محمد تعرض للإيهام بالغرق 183 مرة، ضمن ما سمته وكالة الاستخبارات المركزية "أساليب الاستجواب المعززة"، لتصبح تلك الأساليب لاحقا سلاحا بيد الدفاع للطعن في أقواله والأدلة التي انتُزعت خلال سنوات الاحتجاز.

ومع مرور السنوات، تراكمت فوق القضية طبقات جديدة من التعقيد: معلومات سرية، وأدلة جُمعت في السجون السرية، وأسئلة حول تأثير التعذيب في الاعترافات، وحالة نفسية لمتهمين حملوا آثار سنوات الاحتجاز معهم إلى قاعة المحكمة.
وكان خمسة متهمين يقفون في قلب الملف، قبل أن يخرج رمزي بن الشيبة من مسار المحاكمة عام 2023 بعدما خلص قاض عسكري إلى عدم أهليته للمحاكمة بسبب حالته النفسية. وبقي الأربعة الآخرون عالقين في قضية تتأرجح بين التأجيل والطعون والصفقات القانونية.
مشهد بلا نهاية
وفي 2024، بدا أن النهاية تلوح أخيرا في الأفق، عندما جرى التوصل إلى اتفاق إقرار بالذنب مع خالد شيخ محمد واثنين من المتهمين، بما كان يمكن أن يضع حدا للمحاكمة ويتجنب عقوبة الإعدام. لكن الاتفاق لم يصمد طويلا؛ إذ واجه اعتراضات سياسية وقانونية، وتدخل وزير الدفاع الأمريكي آنذاك لويد أوستن لإلغائه.
وعاد ملف خالد شيخ محمد مرة أخرى إلى ساحات الطعن، لتؤكد محكمة استئناف اتحادية لاحقا حق وزير الدفاع في إلغاء الاتفاق. وهكذا، كلما بدا أن القضية تقترب من صفحتها الأخيرة، انفتحت صفحة جديدة؛ ربع قرن من المطاردة والاحتجاز والتحقيق والمحاكمات المؤجلة، فيما لا تزال النهاية القانونية لعقل بن لادن المدبر معلقة بين قاعة المحكمة وذاكرة السجون السرية.