فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

معركة الصناعة لاستعادة السيادة الاقتصادية

حتي الآن لم نحسم تلك الشعارات التي رفعناها منذ نصف قرن ولانزال في متاهة، هل نحن دولة زراعية أم صناعية وأيهما أكثر ملائمة لظروفنا، حتي وصلنا إلي لا هذا ولا ذاك، وبدا الأمر وكأننا فقدنا السيادة الاقتصادية، وبغض النظر عن أن الزراعة مازالت تقاوم التصحر ونقص المياه والهجوم العشوائي علي الأرض القديمة الخصبة، فإن التساؤل المحير: لماذا تتراجع قدرة الصناعة المصرية على المنافسة، رغم كل ما يقال عن دعم الصناعة، ومئات القرارات والمبادرات والمشروعات والبرامج؟ 

 

المشكلة ليست أن مصر لا تملك مصانع. وليست أن المصريين لا يعرفون الصناعة. وليست حتى أن الدولة لا تنفق على البنية الأساسية. المشكلة أن المصنع المصري تُرك في كثير من الأحيان وحيدًا في مواجهة منظومة اقتصادية كاملة لا تعمل بالضرورة لصالحه.

 

فالمصنع الصغير يدخل السوق وحيدًا، يشتري الخامة بسعر مرتفع، يبحث عن التمويل بفائدة مرتفعة، يدفع تكاليف الطاقة والنقل، يواجه إجراءات ورسومًا ومواصفات وجمارك، ثم يجد نفسه في النهاية أمام منتج مستورد أو منافس أكبر يمتلك قدرة تفاوضية وتمويلية لا يملكها. ثم نسأل بعد ذلك: لماذا لا تنمو الصناعة؟ 

 

فنحن لا نستطيع أن نطلب من الضعيف أن ينافس الأقوى ثم نسمي ذلك اقتصاد السوق، لآن اقتصاد السوق الحقيقي لا يعني أن تترك الأطراف غير المتكافئة تتصارع ثم تعلن أن الأقوى انتصر. فالسوق يحتاج إلى قواعد؛ يحتاج إلى منافسه عادله؛ ومنع الاحتكار؛ ويحتاج إلى شفافية وأن تكون الدولة حكمًا بين المتنافسين، لا أن تترك بعضهم يحصل على مزايا لا يحصل عليها الآخرون.

 

وهذه ليست مجرد وجهة نظر نقدية. فمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تقول صراحة إن الشركات الصغيرة ورواد الأعمال في مصر يجدون صعوبة في المنافسة، في القطاعات التي تعمل فيها الشركات المملوكة للدولة، في ظل ما تحصل عليه تلك الشركات من دعم وإعفاءات ومزايا.

 

إذن القضية ليست عداءً للقطاع العام. القضية هي: هل نريد منافسة حقيقية أم سوقًا غير متكافئة لآن ما يحدث يشكل جريمة اقتصادية، وهي قتل الصناعة، فعندما نتحدث عن الصناعة، نركز دائمًا على المصنع الكبير وهذا خطأ استراتيجي لآن المصنع الكبير لا يعيش وحده. خلفه عشرات أو مئات المصانع الصغيرة والورش والموردين ومقدمي الخدمات الهندسية وقطع الغيار والتعبئة والنقل والصيانة.

فإذا ماتت هذه القاعدة، يتحول المصنع الكبير نفسه إلى مستورد وهنا تبدأ الكارثة: نستورد ما كنا قادرين على إنتاجه. ثم نحتفل بزيادة الإنتاج بينما تتسرب القيمة المضافة إلى الخارج.


ولهذا فإن إنقاذ الصناعة المصرية يجب أن يبدأ من القاعدة، فالصناعات الصغيرة والمتوسطة والمغذية ليست هامش الصناعة؛ إنها العمود الفقري لها. وهو ما ترصده المنظمات الصناعية فيما يعرف بظاهرة الوسط المفقود في الصناعة المصرية، حيث لا تتحول الشركات الصغيرة بسهولة إلى شركات متوسطة وكبيرة قادرة على خلق وظائف وإنتاجية أعلى. فكيف نطلب من ورشة صغيرة أن تتوسع وهي لا تستطيع الحصول على التمويل إلا إذا قدمت ضمانات تفوق قدرتها؟

المشكلة ليست في وجود البنوك. المشكلة في طبيعة التمويل الصناعي. البنك التجاري ينظر إلى المخاطر والضمانات والتدفقات النقدية. أما الدولة فعليها أن تنظر إلى: القيمة المضافة، الوظائف، التصدير، إحلال الواردات، وسلسلة القيمة. 

وهناك فرق بين أن تمول مشروعًا آمنًا لأنه يملك عقارًا، وبين أن تمول مشروعًا صناعيًا واعدًا لأنه يستطيع خلق إنتاج جديد. ولهذا فإن مصر تحتاج إلى إعادة بناء مفهوم التمويل الصناعي التنموي، لا الاكتفاء بالائتمان التجاري.