كرامة المعلم في خطر!
ظل المعلم المصري نبراسًا يضيء طريق المعرفة والتوعية عبر كل العصور، ومن بين يديه تخرجت أجيال تلو الأخرى قادت الأمة نحو التنمية والتطور في مختلف المجالات، على يد المعلم المصري تخرج علماء عظماء قادوا العالم وقدموا للإنسانية كل أنواع المعرفة، وقضوا على كل ظلمات العقول، للمعلم المصري قيمة كبيرة ومكانة عظيمة ودور في غاية الأهمية في بناء الأجيال وتطوير المجتمعات، وتجاوزت رسالته حدود نقل المعرفة إلى صناعة الفكر والقيم.
المعلم المصري له إسهامات جليلة في تنمية وصقل الفكر ونقل العلوم والمعارف المختلفة للطلاب، وهو النموذج الأبرز للسلوك القويم والانضباط داخل المدرسة وخارجها، فهو صانع الأجيال وباني الحضارات، وهو المستثمر الحقيقي للمستقبل.
ويضم الشعر العربي العريق أروع الأبيات التى تخلد فضل المعلم وتعلي من شأنه، لعل من أبرزها ذلك البيت الخالد لأمير الشعراء أحمد شوقى وهو "قم للمعلم وفِه التبجيلاَ.. كاد المعلم أن يكون رسولا". كان هذا هو حال المعلم في ظل مسئولون يقدرون قيمته الجليلة، أما معلم هذا الزمان فقد أصبحت كرامته في خطر بعد أن مسته المهانة وطاله التهميش..
بل والتطاول ليس فقط من خارج مسئولي العملية التعليمية بل للأسف من داخل البيت التعليمي سواء من المسئول الأكبر عن هذه المنظومة وهو الوزير نفسه، وحتى أي مسئول وبخاصة بعض مديرى الإدارات الحاليين، ومعظمهم من صغار السن والذين يتعمدون التجريح في أي قيادة داخل المدارس، وبخاصة مديري المدارس الذين يتحملون أعباء ضخمة للغاية ويذوقون مرارة هذا المنصب المثقل بالهموم والمشاكل بلا أي دعم أو مساندة من جانب الإدارة.
وقد تكررت في الآونة الأخيرة وقائع التعدي اللفظي على مسئولي المدارس والإدارات التعليمية عن طريق قيادات مسئولي التعليم، مما تسبب في وفاة البعض ممن تعرضوا للإهانة وإصابة آخرون بنوبات قلبية حادة وارتفاع في ضغط الدم، وبلا شك أن حالات التعدي على المعلمين لا تعد ولا تحصى، وتحولت إلى ظاهرة يعاني منها المجتمع ولابد من التصدى لها ومحاربتها، إن كنا بالفعل نرغب في بناء الإنسان المصري ونسعى إلى تحقيق التنمية والنهضة المنشودة لهذا الوطن.
لعلنا نتذكر تلك الواقعة الصارخة التى كان بطلها محمد عبد اللطيف وزير التربية والتعليم والتى شهدتها إدارة الباجور بمحافظة المنوفية فى إبريل من العام الدراسي السابق، حين وجه الوزير فاصل من التوبيخ والتعنيف اللفظي لمدير إدارة الباجور والتى على أثرها تعرض الرجل لذبحة صدرية مات على أثرها.
وها هى إحدى مديرى الإدارات تعليمية والتى لا تملك رصيدًا من الخبرة ولم تكن مؤهلة لهذا المنصب مثل بعض مديرى الإدارات الذين تولوا تلك المسئولية بحجة إعطاء الفرصة للشباب، وكان هذا على حساب أصحاب الخبرة الواسعة فى المجال التعليمي، تلك المديرة دخلت فى مشادة كلامية مع مدير مدرسة تابعة للإدارة فقامت باستغلال نفوذها واتخذت قرارًا تعسفيًا بإلغاء تكليفه بشكل فوري، مما تسبب في تعرضه لأزمة قلبية حادة وتم نقله على الفور إلى معهد القلب وتم إنقاذ حياته بأعجوبة.
ألا يدرك هؤلاء المتغطرسون حجم الضغوط النفسية التي يتعرض لها مديرى المدارس الذين يحملون على عاتقهم تلك المسئولية وذلك العبء الكبير، فالعديد منهم يشعرون بضغط نفسي نتيجة التفتيش المفاجئ والتهديد بالعقوبات الإدارية أو النقل عند وجود أي تقصير، مما يضعهم تحت طائلة القلق المستمر، في ظل افتقار مدير المدرسة إلى آلية حماية قانونية أو نقابية كافية تسانده في مواجهة الأزمات الطارئة مع أولياء الأمور أو المسؤولين، كما يعاني المديرون من قلة الموارد المالية المخصصة للصيانة الدورية للمباني، وتوفير الأدوات والمستلزمات التعليمية والتقنية.
وأرى أن وزير التعليم هو المسئول الأول في تدهور العلاقة بين المسئولين والمرؤوسين بسبب تعدد القرارات المرتبطة بالعملية التعليمية، والإصرار على تولى مسئولية الإدارة لعدد من المعلمين قليلي الخبرة، الذين يعلمون جيدًا أن هناك من هم أولى منهم بتحمل تلك المسئولية الكبرى، كل هذه العوامل أدت إلى حدوث مزيد من التدهور للتعليم ولقيمة المعلم.