الحضور الصيني ودقة التوقيت
بحفاوة رسمية وشعبية، استقبلت مصر خلال اليومين الماضيين الرئيس الصيني شي جين بينج، في زيارة رسمية جاءت، احتفاء واحتفالا بمرور سبعة عقود علي اقامة أول علاقات دبلوماسية من دولة عربية وافريقية مع الصين الشعبية.. اعترفت القاهرة عام 1956 بالصين وأقامت علاقات دبلوماسية بينما كان عدد دول العالم التى اعترفت بجمهورية الصين الشعبية لا يزيد وقتها عن 29 دولة..
علاقات مصر مع الصين مستقرة ومضطردة، وفيها ثقة ولم تتعرض لتقلبات عنيفة كعلاقاتنا مع الغرب.. قبل عشر سنوات، 2016، تمت الزيارة الأولي، وبعد عشر سنوات تمت أمس الزيارة الثانية، زار شي جين بينج مصر إذن مرتين تماما كما فعل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في عامي 2015 و2017 أما ترامب فزار مصر في شرم الشيخ في قمة السلام الدولية..
هذه الزيارات إلى القاهرة من ثلاث قوى عظمى هي سيدة العالم عسكريا وعلميا واقتصاديا، رد اعتبار عظيم لما عانته مصر من مؤامرات لازاحتها عن دورها الاقليمي والدولي.. نحن نستورد من الصين بعشرين مليار دولار، ونصدر للصين بأقل من مليار.. ليست كل الواردات طعاما وملابس ومواد غذائية وفوانيس رمضان، بل فيها مصانع وخطوط انتاج..
يبقي أن أهم ما اتفق عليه في لقاءات الجانبين، اتفاق المعرفة، اتفاق التكنولوجيا، اتفاق التعاون الرقمى.. فقد صار معروفا أن مصر تسعى للحصول علي السر المعرفي ال KNOW- HOW للتكنولوجيا وتوطينها، ومعروف آيضا أن الغرب ضنين وبخيل ومتوجس من مساعدتنا في توطين التكنولوجيا..
الصين عملاق تكنولوجي أزعج واشنطن بشركة هواوي وجيلها الخامس، والصين عملاق عسكري يزعج واشنطن بالشبح المماثل لل F35 الأمريكية.. هناك تماثل تاريخي في الجذور وتقدير لأقدم حضارتين عرفتهما الأرض، حضارة مصر الفرعونيّة وحضارة الصين العظيمة، والتشابه في الروح وفي احترام القيم والتقاليد جعل الدفء واضحا ومحسوسا في الاستقبال الذي تم في بكين سابقا ثم في القاهرة لاحقا..
تابع المصريون بشاشة زعيم الصين وهو رجل ابتسامته محسوبة بالسنتيمتر والمليمتر، وكلنا نذكر كيف كان لقاؤه مع ترامب متحفظا في الحركة وفي عضلات الوجه، ومساحة البسمة علي شفتيه.. لا مبالغة في تصنيف الصين المنافس الاستراتيجي للولايات المتحدة الأميركية، جاء ذلك في تقرير بعنوان استراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية عام 2018 أي فى الولاية الأولي للرئيس دونالد ترامب.
تعرف بكين الوزن الاستراتيجي للقاهرة، واهميتها مفتاحا لدول القارة الأفريقية، والحق أن بكين كانت بالفعل تغلغلت عميقا هناك خلال السنوات العشر الأخيرة علي نحو يثير قلق واشنطن.. مهما أكدت القاهرة علي الشراكة مع واشنطن، فإن المخاوف تستمر في الأذهان حاضرة وبقوة، ويمكن لواشنطن أن تبيعك في لحظة لحساب إسرائيل..
الحضور الصيني إذن في التوقيت الحالي بالوزن الرئاسي والوفود الضخمة المتبادلة هو إعادة ضبط الموازين، بل إعادة تعريف بأن القاهرة لا يمكن تخطيها أو العمل علي تعطيل دورها.. التوازن بين الشرق والغرب، بلا أحلاف، بلا تكتلات، سياسة مصرية ثابتة منذ أرساها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. متشئ الود الأصلي بين بكين والقاهرة 56، وسار عليها وتمسك بها الرئيسان الراحلان أنور السادات وحسني مبارك رحمهم الله جميعا..
في العلاقات الخارجية الدولة تحقق نجاحا بارزا لخدمة الشأن الداخلي، وفي الشأن الداخلي تعتبر حكومة المهندس مدبولي استنفدت وقتها وخيالها.. الذي لم يتجاوز جيوب المواطنين.