فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

خصائص جبال الهيمالايا تتغير.. فيضانات نيبال تكشف مخاطر مناخية متصاعدة.. اتساع البحيرات الجليدية وذوبان التربة الصقيعية ينذران بفيضانات كارثية مفاجئة

عائلات ضحايا فيضان
عائلات ضحايا فيضان نيبال

بكاء ونحيب وصراخ؛ هكذا بدا مشهد عائلات أكثر من ألف قتيل راحوا ضحية كارثة فيضانات نيبال، فضلا عن آلاف المفقودين، في مشهد يعكس تحول الفيضانات والانهيارات الجليدية في جبال الهيمالايا من مجرد كوارث موسمية معزولة، إلى مؤشر على مخاطر مناخية متزايدة تهدد المناطق الجبلية في شبه القارة الهندية.

وبحسب تقرير نشرته جريدة "ذا جارديان" البريطانية، فإن "تراجع الأنهار الجليدية واتساع البحيرات الجليدية وذوبان التربة الصقيعية يمكن أن تزيد احتمالات وقوع فيضانات مفاجئة"، مضيفة أن "الكارثة الأخيرة في نيبال تسلط الضوء على هشاشة المنطقة أمام هذه التحولات، بعدما أدى انهيار جزء من نهر جليدي إلى إطلاق سلسلة من الصخور والجليد في وادي نهر بهوتي كاشي، الذي ينبع من التبت ويتدفق إلى نيبال، مخلفا دمارا واسعا وعددا كبيرا من المفقودين".

 

صورة التقطتها طائرة بدون طيار تكشف تداعيات الفيضان
صورة التقطتها طائرة بدون طيار تكشف تداعيات الفيضان

وتتجاوز تداعيات الكارثة الحدود النيبالية بحسب التقرير؛ إذ كان من بين المفقودين مئات الهنود، بينهم عمال في مشروع للطاقة الكهرومائية وحجاج كانوا في طريقهم إلى جبل كايلاش في التبت. 

ووفق أحدث الأرقام الواردة في التقرير، بلغ عدد الهنود المفقودين 275 شخصا، إضافة إلى 128 شخصا من أصول هندية، بينما تم إنقاذ 149 هنديا حتى أمس الإثنين.

وتشير دراسة نشرتها مجلة "نيتشر" في فبراير 2025، إلى أن الأنهار الجليدية حول العالم مجتمعة فقدت 6542 مليار طن من الجليد بين عامي 2000 و2023، مما أدى إلى ارتفاع مستوى سطح البحر بمقدار 18 مليمترا، مضيفة: خلال هذه الفترة، فقدت الأنهار الجليدية 273 مليار طن من الجليد سنويا في المتوسط.

تغير المناخ يعيد رسم مخاطر الهيمالايا

تعيد هذه التطورات طرح سؤال أكثر حدة؛ حيث يتعلق بمستقبل جبال الهيمالايا في ظل أزمة المناخ، خصوصا مع تغير خصائص مكونات الغلاف الجليدي، الذي يشمل الأنهار الجليدية والبحيرات الجليدية والتربة الصقيعية.

خلف فيضان نيبال دمارا واسعا في المنشآت والبِنى التحتية
خلف فيضان نيبال دمارا واسعا في المنشآت والبِنى التحتية

وتنقل جريدة "ذا جارديان" عن الأستاذ في المعهد الهندي للتكنولوجيا في بوبانسوار والمتخصص في مخاطر الفيضانات الناجمة عن انفجار البحيرات الجليدية أشيم ساتار، قوله: إن تغير المناخ قد يؤدي إلى زيادة تكرار تدفقات الحطام في المستقبل.

ويشير ساتار إلى أن ارتفاع درجات الحرارة قد يؤدي إلى تدهور التربة الصقيعية، ما يجعل الرواسب والحطام أكثر عرضة للتحرك، بينما يمكن أن يؤدي ذوبان الأنهار الجليدية إلى تكوين بحيرات جديدة أو زيادة حجم البحيرات القائمة، الأمر الذي يزيد من احتمالات حدوث فيضانات مفاجئة في المناطق الواقعة أسفلها.

ويؤكد الخبير الهندي أن المخاطر لا تقتصر على المناطق الواقعة داخل الهند، إذ إن بعض مصادر الخطر قد توجد خارج الحدود الهندية، طالما أن الأنهار والمجاري المائية القادمة منها تصب في شبه القارة الهندية، ما يجعل مراقبة هذه المناطق والتنبؤ بالمخاطر أكثر تعقيدا، على حد وصفه.

البحيرات الجليدية تتمدد

وبحسب "ذا جارديان"، لا تزال الهند تفتقر إلى تقديرات علمية كمية شاملة لحجم المخاطر المستقبلية، في وقت تعكس فيه المؤشرات الحالية تغيرا واضحا في البيئة الجليدية.

ويقول ساتار: يتزايد عدد البحيرات الجليدية في الجزء الهندي من الهيمالايا، كما تتسع مساحتها وتزداد كميات المياه التي تحتويها، في وقت تتراجع فيه الأنهار الجليدية. وتختلف درجة الخطر من منطقة إلى أخرى؛ ففي شرق الهيمالايا وصلت العديد من البحيرات الجليدية إلى امتدادات كبيرة، بينما لا تزال البحيرات في المناطق الغربية والوسطى تتوسع مع استمرار تراجع الأنهار الجليدية.

مخاوف حول مستقبل جبال الهيمالايا في ظل أزمة المناخ والاحترار العالمي
مخاوف حول مستقبل جبال الهيمالايا في ظل أزمة المناخ والاحترار العالمي

ويجعل هذا الوضع جميع الولايات الهندية الواقعة في نطاق الهيمالايا عرضة بدرجات متفاوتة لمخاطر مرتبطة بالأنهار الجليدية والبحيرات الجليدية والتربة الصقيعية، فيما يصعب تحديد توقيت تحول هذه المخاطر إلى كوارث فعلية من دون مزيد من الدراسات العلمية والمراقبة المستمرة، وفق التقرير.

وفي السياق ذاته، قال عالم جليد في جامعة دندي بإسكتلندا سايمون كوك: إن الاحترار العالمي من الممكن أن يتسبب في ذوبان الجليد الذي يربط الجبال بعضها ببعض، قبل أن ينحدر كالسيل آخذا معه ما في طريقه من ركام.

ويقول كوك، في تصريحات لـ"بي بي سي": إن من شأن ذلك أن يقوّض استقرار هذه البيئات الجبلية المرتفعة، متسببا في حدوث المزيد من الانهيارات وتدفق الركام وذوبان مياه الجليد، وفيضان البحيرات الجليدية.

الإنذار المبكر.. خط الدفاع الأول

وفي مواجهة هذه المخاطر، تشير "ذا جارديان" إلى أن الهيئة الوطنية لإدارة الكوارث في الهند بدأت اتخاذ خطوات استباقية من خلال برنامج للحد من مخاطر الفيضانات الناتجة عن انفجار البحيرات الجليدية، يتضمن العمل على تركيب أنظمة للإنذار المبكر.

أحد سكان قرية ديفيجات في مقاطعة نواكوت في نيبال يحمل بعضا من متاع منزله الذي دمره الطوفان
أحد سكان قرية ديفيجات في مقاطعة نواكوت في نيبال يحمل بعضا من متاع منزله الذي دمره الطوفان

غير أن الخبراء يرون أن فعالية هذه الأنظمة لا تعتمد فقط على التكنولوجيا، بل تحتاج أيضا إلى إشراك المجتمعات المحلية والاستفادة من معرفتها بطبيعة المناطق الجبلية.

ويشير ساتار إلى أن أنظمة الإنذار المبكر ينبغي أن تكون قائمة على المجتمعات المحلية، لأن السكان الموجودين في مناطق الخطر يمكن أن يؤدوا دورا أساسيا في مراقبة التغيرات والاستجابة السريعة لها، مؤكدا أن العلماء وصناع السياسات وحدهم لا يستطيعون ضمان أعلى مستويات الفاعلية.

الوقاية ممكنة.. لكنها مكلفة

على الرغم من إمكانية الوقاية من بعض المخاطر، إلا أن تنفيذها في المناطق الجبلية الشاسعة يمثل تحديا مالًا ولوجستيا وبشريا كبيرا، وفق "ذا جارديان".

ويؤكد ساتار أن التعامل مع هذه المخاطر يتطلب تدخلات واسعة في المناطق المرتفعة، وهي مهمة شديدة الصعوبة بسبب طبيعة التضاريس، ولذلك فإن الخيار الأكثر واقعية يتمثل في تقليل تعرض السكان والمنشآت للمخاطر بدل محاولة السيطرة الكاملة على العمليات الطبيعية.

وبمعنى آخر، فإن التغير المناخي يجعل التعامل مع جبال الهيمالايا مسألة تتعلق ليس فقط بمراقبة الأنهار الجليدية، وإنما أيضا بإعادة النظر في أماكن وجود السكان والبنية التحتية والمشروعات الاقتصادية الواقعة في مسارات الفيضانات والانهيارات المحتملة، وفق الخبير الهندي.

وينتهي "ذا جارديان" إلى أن "التحدي الحقييق لا يكمن في منع جميع الكوارث الطبيعية، بقدر ما يتمثل في فهم التحولات التي تحدث في الجبال، ورصد مصادر الخطر قبل تحولها إلى كوارث، وإبعاد السكان والمنشآت عن مساراتها المحتملة".