باحث في الشؤون الأفريقية: انشقاقات "الدعم السريع" تعيد رسم الخريطة العسكرية في السودان
أكد أحمد ذارع، الباحث في الشؤون الأفريقية، أن التطورات الميدانية المتسارعة التي يشهدها السودان تعكس تحولات لافتة في خريطة السيطرة العسكرية، بالتزامن مع موجة انشقاقات متلاحقة داخل صفوف قوات الدعم السريع، مقابل تقدم ميداني للجيش السوداني والقوات المساندة له في عدد من المناطق بولايات كردفان ودارفور والوسط.
وأوضح ذارع، في تصريحات خاصة لـ«فيتو»، أن هذه التطورات تشير إلى ما يمكن وصفه بـ«انحسار تدريجي» في نفوذ قوات الدعم السريع ببعض المحاور، إلا أن تقييم تأثير الانشقاقات على مسار الحرب يتطلب النظر إلى طبيعة التحالفات داخل قوات الدعم السريع وتوزيع مناطق النفوذ بين أطراف الصراع.
سلسلة انشقاقات متلاحقة داخل الدعم السريع
وقال الباحث إن الأسابيع الأخيرة شهدت سلسلة من الانشقاقات داخل صفوف قوات الدعم السريع، كان من أبرزها انضمام مجموعة تضم نحو 270 عنصرًا، بينهم 21 قائدًا ميدانيًا، إلى القوات المسلحة في كردفان والخرطوم خلال أغسطس الجاري.
وأضاف أن قوة أخرى مكونة من 45 مقاتلًا، بينهم قيادات من منطقة بارا، سلمت نفسها في أم درمان، إلى جانب انضمام مجموعة بقيادة العميد «موسى خمسين» ضمت نحو 318 مقاتلًا وما يقرب من 50 مركبة قتالية في الولاية الشمالية.
وأشار إلى أن هذه التطورات سبقتها، خلال يوليو الماضي، واقعة تسليم قوة تابعة لما يعرف بـ«المجموعة 26» نفسها للجيش بكامل عتادها، والذي شمل 45 مركبة قتالية، فيما سبق ذلك في فبراير الماضي تسليم القائد مكي محمد التجاني وأفراد مجموعته أنفسهم للقوات المسلحة في شمال كردفان.
ولفت ذارع إلى أن موجة الانشقاقات الحالية تأتي امتدادًا لسلسلة بدأت بانضمام قائد «درع السودان» أبو عاقلة كيكل إلى الجيش، برفقة آلاف المقاتلين وكميات من العتاد، في أكتوبر 2024، في خطوة وصفت آنذاك بأنها من أكثر الانشقاقات تأثيرًا داخل صفوف قوات الدعم السريع.
وأشار إلى أنه حتى الآن لم يصدر عن قوات الدعم السريع تعليق رسمي بشأن أنباء الانشقاقات الأخيرة.
عوامل ترجح تراجع نفوذ الدعم السريع
وأوضح الباحث في الشؤون الأفريقية أن الجيش السوداني يفرض سيطرة واسعة على العاصمة الخرطوم بمدنها الثلاث منذ أكثر من عامين، إلى جانب سيطرته على ولايات الشمال والوسط والشرق والجنوب، كما حقق تقدمًا إضافيًا في شمال كردفان، واقترب من حدود ولاية غرب كردفان التي لا تزال تحت سيطرة قوات الدعم السريع.
وأضاف أن المشهد الميداني يتزامن مع مؤشرات على وجود تصدعات داخلية وخلافات ذات طابع قبلي في بعض المناطق الخاضعة لنفوذ الدعم السريع، فضلًا عن سلسلة الانشقاقات التي شهدها شهر أغسطس، والتي شملت مئات المقاتلين وعددًا من القيادات الميدانية.
لكن ذارع شدد على أن هذه التطورات لا تعني بالضرورة انهيار قوات الدعم السريع بصورة شاملة، في ظل استمرار وجودها العسكري في عدد من الجبهات وقدرتها على الاحتفاظ بمناطق نفوذ مهمة.
5 سيناريوهات لمستقبل الصراع السوداني
وطرح الباحث خمسة سيناريوهات رئيسية يمكن أن تحكم مسار التطورات خلال المرحلة المقبلة:
أولًا: تسارع التآكل الميداني للدعم السريع في كردفان
يرى ذارع أن استمرار الانشقاقات بالتزامن مع تقدم الجيش في شمال كردفان قد يؤدي إلى مزيد من التراجع في قدرة قوات الدعم السريع على تثبيت خطوطها الدفاعية في هذا المحور.
وأشار إلى أن ظروف موسم الأمطار هذا العام قد تكون عاملًا مساعدًا للقوات المتقدمة، وفي حال استمرت وتيرة الانشقاقات، فقد تقترب قوات الجيش بصورة أكبر من غرب كردفان.
ومع ذلك، فإن هذا السيناريو يظل مرتبطًا جغرافيًا بمحاور كردفان، ولا يعني بالضرورة انتقال حالة التراجع نفسها إلى معاقل الدعم السريع في دارفور.
ثانيًا: انشقاقات تكتيكية لا تؤدي إلى تفكك الدعم السريع
ويرى الباحث أن طبيعة قوات الدعم السريع باعتبارها تحالفًا قبليًا متعدد المصالح تجعل من الصعب اعتبار فقدان عدد من القيادات والمقاتلين في منطقة معينة دليلًا حاسمًا على انهيار التنظيم بالكامل.
وأشار إلى أن الدعم السريع لا يزال قادرًا على تحقيق مكاسب في جبهات أخرى، مستشهدًا بما وصفه بالمكاسب التي حققتها قواته وحلفاؤها في جبهة النيل الأزرق، حيث تمت السيطرة مطلع أغسطس على الكرمك وقيسان بالقرب من الحدود الإثيوبية.
ثالثًا: توظيف الانشقاقات في الحرب الإعلامية
وأشار ذارع إلى أن الإعلان عن الانشقاقات عبر القنوات الرسمية والمنصات القريبة من الجيش، وتقديمها في سياق احتفالي، يجعلها جزءًا من الحرب النفسية والإعلامية المصاحبة للمعارك.
وبالتالي، فإن أهمية هذه الانشقاقات لا تقاس فقط بعدد المقاتلين أو القيادات المنضمة، وإنما بقدرتها على التأثير في معنويات القوات والقبائل والمكونات المحلية، وإعادة تشكيل صورة ميزان القوى لدى الأطراف المتصارعة.
رابعًا: خطر إعادة إنتاج الميليشيات
وحذر الباحث من أن تحقيق مكاسب عسكرية قصيرة الأجل من خلال استقطاب عناصر منشقة قد يواجه تحديًا طويل الأمد، يتعلق بكيفية التعامل مع القيادات والمقاتلين الذين ينضمون إلى الجيش.
وأشار إلى أن دمج بعض العناصر دون آليات واضحة للمحاسبة، خاصة إذا ثبت تورطها في انتهاكات، قد يؤدي إلى إعادة إنتاج نموذج الميليشيات داخل المؤسسات النظامية، بما يهدد عملية بناء مؤسسة عسكرية موحدة ويؤثر على فرص الحصول على الدعم الدولي وإعادة الإعمار مستقبلًا.
خامسًا: الانشقاقات قد تمهد لتفاوض من موقع قوة
ويتمثل السيناريو الخامس، وفق ذارع، في أن استمرار مكاسب الجيش بالتزامن مع تصاعد الانشقاقات قد يدفع قوات الدعم السريع، في مرحلة لاحقة، إلى القبول بمسار تفاوضي أكثر جدية.
وأوضح أن هذا الاحتمال يرتبط بقدرة الجيش على الحفاظ على زخمه الميداني، وعدم تمكن الدعم السريع من استعادة زمام المبادرة في جبهات أخرى، بما قد يغير موازين القوة ويدفع نحو التفاوض من موقع أكثر قوة بالنسبة للجيش.
خريطة عسكرية لا تزال مفتوحة على عدة احتمالات
وخلص الباحث إلى أن موجة الانشقاقات الأخيرة تمثل تطورًا مهمًا في مسار الحرب السودانية، لكنها لا تكفي وحدها للحكم بانهيار قوات الدعم السريع أو حسم الصراع لصالح الجيش.
وأكد أن التطورات المقبلة ستتوقف بدرجة كبيرة على قدرة الجيش على تحويل المكاسب الميدانية إلى سيطرة مستقرة، وعلى مدى قدرة الدعم السريع على الحفاظ على تماسك تحالفاته وقواعده في دارفور والنيل الأزرق، إلى جانب المسارات السياسية والإقليمية الرامية إلى إنهاء الحرب.