فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

ما لا يقتل إيران يقويها

تتباهى أمريكا بخنق إيران اقتصاديًا وحصارها من البر والبحر والجو، لكي ترضخ لإملاءات إسرائيل، وهي حرب إبادة جماعية، صحيح أنها قتلت ملايين البشر، لكنها لم تُجبر حاكمًا في أي بلد على الاستسلام، لكنها أذلّت وأنهكت الشعوب، لم تُضعف قبضة السلطة، لكنها دمّرت أممًا وحطّمت إرادتها.


الحصار والعقوبات الاقتصادية سلاح يفوق كل أسلحة الدمار الشامل، وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت وصفها بأنها ستبقى Economic D-Day، أي يوم إنزال اقتصادي شبيه بإنزال النورماندي في الحرب العالمية الثانية، كبداية هجوم اقتصادي شامل هدفه عزل إيران عن العالم.


ويُعد الحصار الاقتصادي من أشنع أساليب الحرب المعاصرة التي تُمارس ضد الشعوب، وهو شكل من أشكال الإبادة البطيئة التي تستهدف كسر الإرادة وسلب الكرامة وتجويع الأحرار.


وقد بات هذا السلاح يُستخدم على نطاق واسع في العصر الحديث، لا سيما ضد الشعوب المقاومة، كما هو الحال في قطاع غزة، الذي يعاني منذ ما يقارب عقدين من حصار خانق ومركب، حوّل حياة الملايين إلى معاناة يومية، وكذلك إيران المفروض عليها الحصار منذ ثلاثة عقود.


ثم جاء الإعلان الصاخب عن الحرب الاقتصادية الأمريكية ضد إيران، ليس إلا إعلانًا عن التراجع خطوة كبرى إلى الوراء؛ إذ بعد فشل الخيار العسكري في تحقيق الأهداف، تعلن واشنطن بوضوح عن العودة إلى المربع الأول - الاقتصاد.


غير أن ثمّة أمرًا مستحدثًا، وهو الحصار البحري، فبعد تردّد وترقّب، شرعت واشنطن بالفعل في محاولات أولية لتطبيقه، عبر توجيه إنذارات للسفن الإيرانية بشكل عام، ويقع صانع القرار الأمريكي في ذات الخطأ الذي يرتكبه الكثير من المحللين، ومنهم في المنطقة، وهو البناء على مسلّمات الماضي في تحليل إيران اليوم.


إن تحليل استراتيجية إيران بالصورة والأدوات نفسها التي كانت عليها قبل الحرب يُدخل المحلل في خطأ يمنعه من استشراف المستقبل، فقد تغيرت إيران بفعل الحرب التي فُرضت عليها، إذ يرى سياسيوها أن أدوات ضغطهم أكثر جدوى من تلك الموجودة في جعبة واشنطن.


ولذلك، وبعد عودة واشنطن من الخيار العسكري إلى الخيار الاقتصادي، تقول إيران إن ذلك لم يعد خيارًا مقبولًا لديها، وهي ستؤثر الذهاب للحرب على الوقوف مكتوفة الأيدي أمام تطبيق الحصار، وفي ذلك حسابات إيرانية ترتبط بالقدرات العسكرية، والداخل الأمريكي، والداخل الإيراني.


حيث تعتمد بشكل أساسي على الطرق البرية والسكك الحديدية في تجارتها، وهذا منذ سنوات طويلة عملت فيها بشكل متدرج للالتفاف على العقوبات الاقتصادية التي كانت تلاحق إيران منذ قيام الثورة عام 1979، ومع التحديات المتكررة لإعاقة ممراتها البحرية، اشتغلت إيران على شبكة تجارية معقدة، تشمل عدة خطوط وشرايين اقتصادية داخلية وخارجية.


كثيرون لا يعرفون أنه مع إعادة توجيه إيران جزءًا كبيرًا من تجارتها، يُقدّر بحوالي 80%، من خلال المسارات الشمالية والشرقية لإيران لتقليل الاعتماد على النقل البحري، استطاعت أن تواجه ضغوط عقوباتها الاقتصادية، وكذلك تواجه الحصار حاليًا، مثل ممر «شمال - جنوب»، وهو يمثل شريانًا حيويًا يربط بين روسيا والهند من خلال الأراضي الإيرانية، واستهدافه بريًا أو بحريًا يعني مواجهة أطراف عالمية بحجم روسيا والهند.


كما ترتبط إيران بمسارات تجارية مع الصين وأوراسيا، حيث أصبحت إيران طريقًا بريًا رئيسيًا لنقل البضائع الصينية والأوروبية، من خلال السكك الحديدية الإيرانية والطرق السريعة داخل إيران، وتوفر شحن الحاويات بالقطار عبر إيران توفيرًا ماديًا وزمنيًا كبيرًا للدول المستفيدة من التجارة من خلال إيران، مقارنة بالمسارات التقليدية.
 

وهكذا يعتبر الحصار المفروض من أمريكا ضد إيران ليس ورقة ضغط كبيرة بالشكل المنتظر منه، لأن إيران بالفعل تعتمد على الشحن البري كوسيلة محلية للتجارة الدولية، ولديها استراتيجية من زمن للالتفاف على العقوبات، مع استخدام البر لتتحول بالفعل إلى دولة ممرات عالمية تربط آسيا بأوروبا في كل الظروف.


بجانب اعتماد إيران داخليًا على إنتاجها المحلي من المواد الغذائية والدوائية، وعدم احتياجها الحقيقي للاستيراد، خاصة أنها بالفعل دولة معاقبة عالميًا، وممنوع التصدير لها من الغرب وغيره بعقوبات دولية من سنوات طويلة، والأمر المؤكد أن ما لا يقتل إيران يقويها!