فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

الكليات المهجورة، لماذا هجر الطلاب دراسة الزراعة بالجامعات المصرية؟ أكاديميون يجيبون عن المسكوت عنه

وزير الزراعة، فيتو
وزير الزراعة، فيتو

في الوقت الذي تحتاج فيه مصر إلى أجيال جديدة من المتخصصين القادرين على مواجهة تحديات الزراعة والمياه والتغيرات المناخية، تواجه كليات الزراعة أزمة متراكمة تكشفها شهادات أساتذة وخبراء في عدد من الجامعات.

 الأزمة، بحسب هذه الشهادات، لا تتعلق فقط بمستوى الإقبال على الكليات، وإنما تمتد إلى أراضي التجارب التي فقدت بعض الكليات أجزاءً منها، ومعامل تعاني التقادم، وتدريب عملي لا يواكب العصر، وتمويل بحثي محدود، فضلًا عن تراجع أعداد أعضاء هيئة التدريس مع خروج أجيال إلى المعاش.

وتبرز شهادات من كليات الزراعة بجامعات القاهرة والإسكندرية والمنوفية والعريش حجم الفجوة بين ما تحتاجه هذه الكليات للقيام بدورها، وما يتوافر لها من إمكانيات؛ بداية من أراضي التجارب ومزارع الكليات، مرورًا بالمعامل والتدريب، وصولًا إلى البحث العلمي والكوادر الأكاديمية.

وتزداد خطورة الأزمة لأن كليات الزراعة لا تقوم بدور تعليمي فقط، بل تمثل قاعدة أساسية لإعداد المتخصصين والباحثين القادرين على تطوير الإنتاج الزراعي والتعامل مع نقص المياه وارتفاع درجات الحرارة والملوحة والتغيرات المناخية.

«فيتو» تفتح ملف كليات الزراعة، وترصد أوجه الأزمة داخلها من خلال شهادات أساتذة وأعضاء هيئة تدريس، للوقوف على ما تواجهه هذه الكليات من تحديات وتأثير ذلك على قدرتها على أداء دورها.

نادر نور الدين يحذر: إهمال المتخصصين يهدد مستقبل الزراعة 

أكد الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الزراعة والموارد المائية بكلية الزراعة جامعة القاهرة، أن النهضة الزراعية التي شهدتها مصر خلال السنوات العشر الماضية، بالتزامن مع التوسع في استصلاح الأراضي وزيادة الأنشطة الزراعية وتعدد مشكلات ومصادر المياه، أدت في البداية إلى زيادة إقبال الطلاب على كليات الزراعة، موضحًا أن أعداد الطلاب المقبولين بهذه الكليات تضاعفت، في ظل آمال كبيرة بالعمل في مشروعات التوسع الزراعي العديدة التي شهدتها الدولة.

وأضاف نور الدين أن عدد كليات الزراعة في مصر وصل إلى نحو 35 كلية، من بينها 31 كلية في الجامعات الحكومية، بخلاف مؤسسات ومراكز البحث العلمي المرتبطة بالمجال الزراعي، ومنها مركز البحوث الزراعية والمركز القومي للبحوث ومدينة برج العرب البحثية.

وأوضح أن حالة القلق بدأت تتسلل إلى الطلاب والمهندسين الزراعيين مع تهميش دور المتخصصين الزراعيين وعدم توليهم مناصب عليا في الدولة طوال السنوات العشر الماضية، حتى في التخصصات المرتبطة بصورة مباشرة بالزراعة، والسلع التموينية، والبيئة، وهي المجالات التي ترتبط بشكل وثيق بالبيئة الزراعية وتلوث المياه والتربة والهواء والتغيرات المناخية.

وأشار إلى أن هذا الوضع خلق شعورًا لدى الطلاب والمهندسين الزراعيين بأنهم قد يصبحون مجرد تابعين حتى داخل تخصصاتهم، متسائلًا عن جدوى دراسة الزراعة إذا كان المتخصص لن يكون صاحب القرار في القطاع الذي درس وتخصص فيه، قائلًا إن الأمر قد يدفع البعض إلى الاعتقاد بأن دراسة المحاسبة قد تكون أكثر جدوى للوصول إلى مواقع القيادة في القطاع الزراعي.

وشدد أستاذ الزراعة والموارد المائية على أن القطاع الزراعي يحتاج إلى نهضة حقيقية تواكب التوسع الزراعي الجاري، داعيًا إلى استعادة نموذج الاهتمام بالمتخصصين الزراعيين، كما كان في فترات سابقة، مشيرًا إلى فترة تولي الدكتور يوسف والي مسؤولية وزارة الزراعة، والتي شهدت -بحسب قوله- وجود عدد كبير من المحافظين من خلفية زراعية.

وأكد أن مصر دولة زراعية بالأساس، وأن وجود محافظ متخصص في الزراعة يمكن أن يكون أكثر قدرة على فهم طبيعة المواطنين واحتياجاتهم، خاصة في المحافظات التي يمثل النشاط الزراعي أساس العمل والدخل لسكانها، مثل البحيرة والمنوفية والفيوم والمنيا والشرقية، إلى جانب محافظات الدلتا، مطالبا بزيادة الاعتماد على المتخصصين الزراعيين في الوزارات والجهات التي ترتبط أعمالها بصورة مباشرة بالقطاع، ومن بينها وزارات الزراعة والتموين والتعاون الدولي والبيئة، وكذلك في أجهزة الحكم المحلي، باعتبار أن المرحلة المقبلة ستشهد تحولات تكنولوجية كبيرة في القطاع الزراعي.

وأوضح نور الدين أن المستقبل يتجه نحو الانتقال من الزراعة التقليدية إلى الزراعة الحديثة، ثم الزراعة الذكية والزراعة الرقمية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن هذه المجالات تحتاج إلى متخصصين لديهم معرفة حقيقية بالزراعة والمياه، ولا يمكن التعامل معها بصورة ناجحة اعتمادًا على المعلومات الصحفية أو التقارير العامة وحدها.

وأشار إلى أن الأمر يمتد كذلك إلى تطبيقات الري الذكي والري الذكي المناخي، وتطوير نظم الري ووسائل توزيع وتوصيل المياه، وهي ملفات تحتاج إلى خبرات علمية متخصصة في الزراعة والموارد المائية.

وأكد أن المهندسين الزراعيين يحتاجون بصورة عاجلة إلى إزالة حالة الإحباط التي يعانون منها، وإتاحة الفرصة لهم للمشاركة في قيادة القطاع الزراعي ومناطق التوسعات الزراعية، بما يتناسب مع طبيعة تخصصاتهم واحتياجات المرحلة المقبلة.
وانتقل نور الدين إلى ملف أراضي ومزارع البحوث الزراعية، مؤكدًا أنه  يتم الاستهانة بأهمية أراضي الأبحاث الزراعية والتطبيقات الزراعية الحقلية والميدانية، رغم أن هذه الأراضي تمثل حلقة أساسية في اختبار نتائج الأبحاث وتطبيقها على الأراضي الزراعية المماثلة.

وأوضح أن أراضي مركز ومزرعة كلية الزراعة بجامعة القاهرة جرى إقامة عدد من المنشآت والمرافق عليها، ومنها سنترال الجيزة، وموقف أتوبيسات ميدان الجيزة، والمدينة الجامعية للبنات، ومساكن أعضاء هيئة التدريس، ومستشفى بولاق الدكرور، وقسم شرطة بولاق الدكرور، والطريق الدائري، ومحطة الصرف الصحي، ومراكز صحية وغيرها من المنشآت.

وأشار إلى أن كلية الزراعة في الإسكندرية شهدت كذلك نزع ملكية جميع أراضي كلية الزراعة بمنطقة سابا باشا، ونقلها إلى الطريق الصحراوي، مضيفًا أن أراضي مركز البحوث الزراعية التابع لوزارة الزراعة يجري نقلها أيضًا إلى صحراء دهشور.

وحذر من خطورة التعامل مع أراضي البحوث الزراعية باعتبارها مجرد أراضٍ قابلة للنقل، موضحًا أن معظم الأراضي الزراعية المنتجة والخصبة في مصر هي أراضٍ سوداء، وليست صحراوية، وبالتالي فإن الأبحاث الزراعية التي تستهدف خدمة هذه الأراضي تحتاج إلى أن تجرى على أراضٍ مماثلة لها في طبيعتها، وليس فقط داخل المعامل أو في الأراضي الصحراوية.

وأكد أن ذلك يعكس -من وجهة نظره- سوء تقدير لأهمية أراضي ومزارع البحوث الزراعية، ولأهمية الباحثين والعاملين عليها، باعتبارهم أحد العناصر الأساسية في تطوير الإنتاج الزراعي وحل المشكلات التي تواجه المزارعين.

شيخوخة الوظائف في كليات الزراعة

وكشف أستاذ الزراعة والموارد المائية عن أزمة أخرى تتمثل في توقف التعيينات الجديدة في كليات الزراعة ومراكز البحوث الزراعية منذ عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، دون النظر إلى الاحتياجات المستقبلية للقطاع، ما أدى إلى ما وصفه بـ«الشيخوخة الوظيفية».

وأوضح أن القسم الذي ينتمي إليه في جامعة القاهرة، على سبيل المثال، أصبح يضم 17 أستاذًا على المعاش مقابل 7 أساتذة فقط تحت السن، مشيرًا إلى أن الأساتذة المحالين إلى المعاش أصبحوا يتحملون عبء التدريس في مختلف التخصصات.

وأكد أن استمرار هذه الأوضاع يهدد مستقبل التعليم الزراعي، خاصة مع خروج أعداد كبيرة من أعضاء هيئة التدريس دون وجود أعداد كافية من الشباب القادرين على تعويضهم ونقل الخبرات العلمية إلى الأجيال الجديدة.

انتهاء دور الإرشاد الزراعي

وأشار نور الدين كذلك إلى تراجع وانتهاء الدور التقليدي للإرشاد الزراعي في وزارة الزراعة ومركز البحوث الزراعية، نتيجة خروج أغلب المرشدين الزراعيين إلى المعاش، مؤكدًا أن هذا التطور أدى إلى اختفاء دور المرشد الزراعي الذي كان قريبًا من الفلاح وصاحب المشورة الفورية للمزارعين عند ظهور أي إصابة أو مشكلة زراعية أو حيوانية.

وأوضح أن غياب المرشد الزراعي القريب من المزارع ساهم في تعدد المشكلات التي تواجه الأراضي الزراعية وقطاعات الإنتاج الحيواني والداجني والسمكي، مؤكدًا أن المزارع يحتاج إلى متخصص يستطيع الوصول إليه وتقديم المشورة في الوقت المناسب، وليس مجرد معلومات عامة تصل إليه من خلال وسائل الإعلام.

وطالب بإعادة دور الشباب إلى القطاع الزراعي الجامعي والبحثي والإرشادي، مؤكدًا أن الأولوية يجب أن تكون لتدعيم الكوادر العلمية والميدانية، وليس التوسع في المكاتب الإعلامية التي وصفها بأنها تستنزف مخصصات الوزارة بما يفيد شخصًا واحدًا فقط، بحسب تعبيره.

وشدد على أن المرحلة الحالية تحتاج إلى الاهتمام بالمتخصص الزراعي وليس التوسع الزراعي فقط، إلى جانب التركيز على القرب من المزارعين ومساعدتهم، بالتوازي مع الاهتمام بمشروعات التوسع الزراعي الحالية في الأراضي الصحراوية.

تحذير من تأثير الإهمال على الأمن الغذائي

وحذر نور الدين من أن استمرار إهمال المتخصص الزراعي والفلاح والإرشاد الزراعي وهيئات التدريس في كليات الزراعة والتدريب قد ينعكس بصورة خطيرة على الأمن الغذائي وقدرة مصر على التأقلم ومواجهة التغيرات المناخية.

وأكد أن القطاع الزراعي هو القطاع الأكثر هشاشة أمام التغيرات المناخية، وأن التعامل مع هذه التحديات يحتاج إلى المتخصص الذي يدرس ويفهم الكائن الحي الذي يتعامل معه، سواء كان نباتًا أو حيوانًا أو دواجن أو طيورًا أو مواشي أو أسماكًا.

وأوضح أن ارتفاع درجات الحرارة والاحترار العالمي سيؤديان إلى زيادة استهلاك النباتات للمياه، بالتزامن مع زيادة معدلات البخر من سطح التربة ومن الترع والمسطحات المائية، وبالتالي فإن إنتاج الكميات نفسها من الغذاء سيتطلب كميات أكبر من المياه، في الوقت الذي تعاني فيه مصر بالفعل من الشح المائي.

وأكد أن مواجهة هذه التحديات تتطلب دعم مراكز البحوث الزراعية وباحثي كليات الزراعة للعمل على إنتاج سلالات جديدة من المحاصيل تتحمل العطش الناتج عن زيادة البخر وارتفاع درجات الحرارة، وتستطيع في الوقت نفسه الحفاظ على معدلات الإنتاج الغذائي دون نقصان.

وأضاف أن هناك حاجة أيضًا إلى إنتاج حاصلات زراعية تتحمل زيادة تركيز الأملاح في التربة الزراعية، نتيجة ارتفاع معدلات البخر وما يترتب عليه من ترسب وتراكم الأملاح في التربة، وهي تحديات تحتاج إلى أبحاث متخصصة لا يمكن التعامل معها بمعزل عن المتخصصين في الزراعة والمياه.

وأشار إلى أهمية دور المتخصصين كذلك في التحكم في تدهور التربة الزراعية وتراجع إنتاجيتها، ومنع تصحر الأراضي الزراعية وتحولها إلى أراضٍ غير منتجة للغذاء شأنها شأن الأراضي الصحراوية.

وأكد أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى جميع التخصصات الزراعية، ومن بينها متخصصو استصلاح الأراضي، والمحاصيل، والبساتين، وأمراض وحشرات النبات، والأسمدة والمخصبات، والتلوث، والري وتوزيع المياه، والتصنيع الزراعي، ومنتجات الألبان، وهندسة الآلات الزراعية، وغيرها من التخصصات المرتبطة بالقطاع.

واختتم نور الدين حديثه بالتأكيد على أن الزراعة تمثل جناحًا مهمًا في اقتصاد الدول، وأن الحفاظ على قوة القطاع الزراعي لا يتوقف على التوسع في استصلاح الأراضي وزيادة المساحات المنزرعة فقط، وإنما يحتاج أيضًا إلى الاستثمار في الإنسان المتخصص، والبحث العلمي، والتعليم الزراعي، والإرشاد، والتدريب، باعتبارها عناصر أساسية لضمان استدامة الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي في المستقبل.

محمد الأمين سويلم: ميزانية البحث العلمي بكلية الزراعة كما هي  منذ أكثر من 20 عامًا!

من جانبه أكد الدكتور محمد الأمين سويلم، الأستاذ بكلية الزراعة جامعة المنوفية، أن الفترة الأخيرة شهدت اقتطاع نحو 20 فدانًا من أصل 60 فدانًا تمثل مساحة مزرعة قرية الراهب التابعة لكلية الزراعة، وإقامة كومبوند سكني على المساحة التي تم اقتطاعها..

وأضاف سويلم أن اقتطاع الأراضي الخصبة التابعة لكليات الزراعة يمثل اتجاهًا  خاطئًا وفاشلًا، موضحًا أن الأمر لا يقتصر على خسارة الأراضي الزراعية، خاصة أن بعض المساحات الزراعية التي يتم البناء عليها وإقامة كومبوندات سكنية لم يتمكن المطورون من تسويقها أو بيعها حتى الآن بسبب بعد الموقع عن المدينة.
وأوضح أن مزرعة الراهب تعرضت للإهمال على مدار السنوات الماضية، ما أدى إلى تراجع إنتاجيتها، قبل أن يتم في النهاية اقتطاع مساحة كبيرة منها لصالح إنشاء كومبوند سكني.

وشدد على ضرورة الاهتمام بهذه الأراضي واستغلالها بالشكل الأمثل، بحيث يتم تخصيص جزء منها للأبحاث الزراعية وجزء آخر للإنتاج، بدلًا من تحويلها إلى مبانٍ خرسانية وخسارة أرض خصبة تعد من أجود الأراضي الزراعية في مصر.

أكثر من 1000 طالب سنويًا.. والتدريب العملي يواجه أزمة الإمكانيات

وأشار أستاذ كلية الزراعة بجامعة المنوفية إلى أن الكلية عريقة وتستقبل أكثر من 1000 طالب سنويًا، وتخرج أعدادًا كبيرة من الطلاب، إلا أن أحد أبرز التحديات التي تواجهها يتمثل في نقص التدريب العملي.

وأوضح أن الإمكانيات والميزانية المخصصة للكلية لا تكفي لتنفيذ التدريبات العملية المطلوبة للطلاب، وهو ما يجعل الجزء الأكبر من الدراسة نظريًا وليس عمليًا بسبب عدم توافر الإمكانيات اللازمة.

وأضاف أن المعامل تعاني كذلك من التكدس، موضحًا أن المعمل الذي من المفترض ألا يستوعب أكثر من 50 طالبًا قد يضم نحو 100 طالب في الوقت نفسه، وهو ما يحرم الطالب من الحصول على حقه الكامل في التدريب والتعلم داخل المعمل.

وأكد أن هذا الوضع ينعكس بصورة مباشرة على جودة خريج كلية الزراعة، خاصة فيما يتعلق بالجانب العملي، مشددًا على أنه «لا توجد جودة في الجانب العملي» في ظل هذه الظروف.

معامل من القرن الماضي.. والبحث العلمي الزراعي بلا تطوير

وفيما يتعلق بالمعامل والعملية البحثية في كليات الزراعة، قال سويلم إنه لا يوجد تحديث أو تطوير حقيقي للمعامل، مؤكدًا أن هناك احتياجات كثيرة وضرورية، في مقدمتها الثلاجات والحضانات اللازمة للعمليات البحثية.

وأوضح أن الحضانات والثلاجات المستخدمة في العملية البحثية بالكلية تعود إلى القرن الماضي، وهو ما يعكس حجم الاحتياجات المطلوبة لتحديث البنية التحتية للبحث العلمي الزراعي وتوفير الأدوات اللازمة للباحثين.

وكشف سويلم أن ميزانية البحث العلمي في كلية الزراعة بجامعة المنوفية أصبحت محدودة للغاية، موضحًا أن المخصص لكل قسم يبلغ نحو 10 آلاف جنيه فقط.
وأشار إلى أن الكلية تضم 15 قسمًا، بما يعني أن إجمالي الميزانية المخصصة للبحث العلمي والأبحاث والتجارب العملية سنويًا لا يتجاوز نحو 150 ألف جنيه.
ووصف سويلم هذا الرقم بأنه «هزيل جدًا» مقارنة بالاحتياجات الفعلية للبحث العلمي، موضحًا أن الميزانية المخصصة حاليًا هي تقريبًا نفس الميزانية التي كانت متاحة قبل أكثر من 20 عامًا، دون زيادة تتناسب مع ارتفاع تكاليف البحث والإنتاج.

وقال إن أسعار السلع والخامات ومستلزمات الإنتاج وغيرها ارتفعت بصورة كبيرة خلال السنوات الماضية، مستشهدًا بتغير سعر الدولار، حيث كان يبلغ نحو 7 جنيهات في السابق، بينما أصبح حاليًا في حدود 50 جنيهًا..

وأكد أن استمرار ثبات مخصصات البحث العلمي في ظل هذا الارتفاع الكبير في أسعار المستلزمات يجعل إجراء الأبحاث والتجارب العلمية أكثر صعوبة، ويضعف قدرة الكلية على مواكبة التطورات العلمية والتكنولوجية في القطاع الزراعي.

رواتب أعضاء هيئة التدريس.. دخل لا يتناسب مع القيمة العلمية

وفيما يتعلق بأوضاع أعضاء هيئة التدريس، أشار الأستاذ بكلية الزراعة جامعة المنوفية إلى أن دخول أعضاء هيئة التدريس لا تتناسب مع طبيعة وقيمة العمل العلمي الذي يقومون به.
وأوضح أن راتب الأستاذ الدكتور الجامعي يتراوح -بحسب قوله- بين 10 و15 ألف جنيه، معتبرًا أن هذا الدخل لا يتناسب مع القيمة العلمية لأعضاء هيئة التدريس، ولا يحقق التوازن المطلوب مقارنة بمستويات الدخول في مصر.
وأكد أن تحسين أوضاع أعضاء هيئة التدريس يمثل أحد العناصر المهمة للحفاظ على الكفاءات العلمية وتشجيع الباحثين على الاستمرار في العمل البحثي والتدريسي.

6 ملايين فدان.. أزمة المياه تقيد التوسع الزراعي

وانتقل سويلم إلى تداعيات إهمال العلم الزراعي في مصر، مؤكدًا أن مصر دولة زراعية، وأن الزراعة تمثل أساسًا مهمًا للاقتصاد المصري، إلا أن التحديات المتعلقة بالمياه أصبحت تفرض قيودًا كبيرة على فرص زيادة الرقعة الزراعية.

وأوضح أن مصر لا تزال تعتمد بصورة أساسية على نحو 6 ملايين فدان من الأراضي الزراعية القديمة منذ آلاف السنين، في حين أن الأراضي الحديثة تعتمد في جانب كبير منها على المياه الجوفية، التي قد تحتوي على نسب من الأملاح.

وأشار إلى أن حصة مصر من مياه النيل لا تزيد، في الوقت الذي يتم فيه استصلاح أراضٍ جديدة لا تتوافر لها بالضرورة مصادر مياه كافية، معتبرًا أن ذلك يجعل مشكلة المياه عائقًا رئيسيًا أمام أي اتجاه لزيادة الرقعة الزراعية.
وقال إن المساحة المخصصة للزراعة ظلت -بحسب تقديره- في حدود 6 ملايين فدان منذ ما قبل ثورة يوليو 1952، مؤكدًا عدم وجود خطة واضحة لمضاعفة المساحة الزراعية في ظل صعوبة توفير المياه.

البحث الزراعي.. الحل لزيادة الإنتاجية وليس زيادة الأرض فقط

وأكد أستاذ كلية الزراعة بجامعة المنوفية أن هذه المعطيات تجعل الاهتمام بالبحث والعلم الزراعي ضرورة، موضحًا أن البحث العلمي قادر على مضاعفة إنتاجية المحاصيل الزراعية، سواء المحاصيل البستانية أو الاستراتيجية، بدلًا من الاعتماد فقط على زيادة المساحات الزراعية.

وحذر من أنه في حال استمرار إهمال البحث الزراعي، فإن مساحة الأراضي المنزرعة لن تزيد، كما أن الإنتاجية لن ترتفع، بل قد تتراجع بفعل التغيرات المناخية وعدم ابتكار أصناف وتقاوي جديدة ملائمة للظروف المناخية المتغيرة وارتفاع درجات الحرارة.
وأشار إلى أن النتيجة النهائية لذلك قد تتمثل في تشكيل تهديد للأمن الغذائي المصري، خاصة مع تزايد الضغوط على الموارد المائية وارتفاع درجات الحرارة والتغيرات المناخية.

التقاوي.. فجوة بحثية تهدد الإنتاج الزراعي

وشدد سويلم على أن إنقاذ القطاع الزراعي في مصر يحتاج إلى تطوير منظومة إنتاج التقاوي من خلال كليات الزراعة ومركز البحوث الزراعية.
وقال إن مصر -بحسب رؤيته- لا تزال تواجه مشكلة في إنتاج التقاوي، رغم امتلاكها كوكبة كبيرة من العلماء والباحثين، موضحًا أن البذور أو تقاوي أي محصول تحتاج في كثير من الحالات إلى مشاركة أو تدخل شركة أجنبية.

وأكد أن تطوير منظومة التقاوي المحلية يجب أن يمثل أولوية، بما يتيح إنتاج أصناف تتناسب مع الظروف المصرية وتحديات التغيرات المناخية والمياه والملوحة، ويقلل الاعتماد على الخارج.

الأسمدة وأزمات الإنتاج.. البحث العلمي خط الدفاع الأخير

وأشار إلى أن مصر لا تنتج كذلك ما يكفي من احتياجاتها من الأسمدة، ما يجعل القطاع الزراعي عرضة لأزمات تؤثر في معدلات الإنتاجية الزراعية.

وحذر من أن استمرار إهمال البحث العلمي الزراعي، بالتزامن مع تحديات التقاوي والأسمدة والمياه والتغيرات المناخية، ستكون له تبعات مباشرة على قدرة القطاع الزراعي على الحفاظ على مستويات الإنتاج الحالية.

واختتم سويلم بالتأكيد على أن تطوير التعليم والبحث العلمي الزراعي، والحفاظ على الأراضي البحثية والخصبة، وتوفير الإمكانيات اللازمة للتدريب العملي والبحث، وتطوير منظومة إنتاج التقاوي والأسمدة، تمثل جميعها عناصر أساسية للحفاظ على قدرة مصر على زيادة الإنتاجية الزراعية ومواجهة التحديات المستقبلية، وعلى رأسها قضية الأمن الغذائي.

«الزراعة أمام اختبار المستقبل».. الذكاء الاصطناعي والمناخ ورواتب الأساتذة أبرز التحديات

ويرى الدكتور حاتم محمد أحمد محفوظ، العميد السابق لكلية العلوم الزراعية بجامعة العريش ووكيل الكلية الحالي، أن كليات الزراعة تواجه تحديات متزايدة تتطلب إعادة تطوير منظومة التعليم والتدريب، بما يضمن تأهيل الطلاب للمنافسة في سوق العمل.

ويوضح أن أبرز التحديات يتمثل في تحديث المناهج الدراسية لتواكب احتياجات سوق العمل والتطور العالمي، مع إدخال تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التعليم الزراعي، وتأهيل الطلاب للتعامل مع تقنيات الزراعة الحديثة، ومنها الصوب المكيفة، واستخدام الذكاء الاصطناعي في مكافحة الآفات والحشرات، وتطوير نظم الري وترشيد استخدام المياه.

ويشير إلى أن التغيرات المناخية تمثل تحديًا كبيرًا أمام القطاع، خاصة ارتفاع درجات الحرارة وانخفاضها في بعض الفترات، وما يترتب على ذلك من تأثيرات على النباتات والإنتاج الزراعي، ما يستدعي إعداد كوادر قادرة على التعامل مع هذه المتغيرات.

كما يشدد على ضرورة تحسين أوضاع أعضاء هيئة التدريس، موضحًا أن راتب الأستاذ الجامعي يتراوح بين 10 و15 ألف جنيه، وهو ما لا يتناسب مع متطلبات البحث العلمي والأعباء الاجتماعية، داعيًا إلى التوسع في المشروعات البحثية والوحدات ذات الطابع الخاص لزيادة موارد الكليات ودخل أعضاء هيئة التدريس.

 

نقلا عن العدد الورقي