الشارع
لماذا تضرب الذهن الساكن الهادئ موجة ساخنة من التوتر والتراب حين نأتى على ذكر كلمة الشارع؟ ذلك أن الشارع الآن وقبل الآن عدواني وقليل الأدب. الشارع فوضى بشرية آلية، البشر والمكن.. المكن السيارات وبالأخص منها التكاتك، وبالأخص منها الموتوسيكلات، وبالأخص منها التريسيكلات محملة باللحوم أو البضائع تتسكع على يسار الطرق وتقتل الحركة فتنطلق الصفارات ويشتعل الضجيج وتحترق الأعصاب.
الشارع بلطجي وعدواني وقليل الأدب، فالسائرون مخنوقون أصلا في بيوتهم، راكبهم الهم والغم بسبب العجز عن الوفاء بقدر معقول من احتياجات البيوت، وإلحاح الزوجات، ولهن الحق، وإلحاح الأولاد ولهم الحق، والرجال عاجزون بسبب عجز الحكومة عن ضبط نفسها وضبط التجار، فساد وسرقة ومغالاة وكل تاجر حكومة مستقلة..
في الشارع ترى الوجوه مكفهرة..غائمة، مغيبة، مسروقة من نفسها مسحوبة إلى كهوف رطبة خانقة كلها قلق وخوف ويأس وقلة حيلة وسباب وذباب ازرق.. هو ذباب القبور!
في الشارع ترى الوجوه منكفئة، ومع أول احتكاك يتطاير الشر والشرارات، وتجد مصريين غير المصريين، ألفاظا، وغضبا وسعير مشاعر.. لو الجيوب مرتاحة ما اشتعلت الصدور، فكل صدر مغلق علي بركان، يتنفس فينفجر فيما بيننا..
الشارع بلطجي، ذلك أن وباء التوكتوك كرس ثقافتين، ثقافة العشوائية وارتكاب كل المخالفات. القاتلة ولا عقاب، ثم ثقافة، السواقة أسهل من الصنعة، وفيها احساس بالسيادة والسيطرة، فالكل يخاف التكتوك، وينزاح أمامه موسعا حتى لو داهمه في الاتجاه المعاكس..
والطريق بين المحافظات أيضا بلطجي، وتتسيد فيه السيارات العملاقة، وتسيطر، تحتل اليسار وتتغندر والسواق المريض نفسيا مستمتع بحبس السيارات خلفه، وتتضاعف مشاعر الحنق والاحتقان حين يتوازن عملاقان يفسدان خط الأفق، ويحبسان الطريق لحسابهما رغم صرخات الكلاكسات..
والطريق بلطجي بامتياز، وأخص هنا طريق السفر من بداية كفر شكر إلي المنصورة، الطريق القديم كاملا، صحيح هناك طريق أسمنتي مواز وممتاز. منشأ على كباري. يمتد حتى بداية بوابة محافظةً الدقهلية، لكن الطريق القديم بعد ذلك مدمر لبطون السيارات الملاكي، فالأخاديد العميقة صارت سيوفا حادة تنال من عفشات السيارات..
ذلك وضع مأساوي مستمر منذ سنوات، ونوهنا عنه هنا كثيرا لكن لا مجيب.. وإن المرء ليعجب ويتساءل، الآ يسافر محافظ الدقهلية قط علي هذا الطريق؟ أيعجبه الوضع؟ لماذا لا يتواصل مع وزير النقل والمواصلات الفريق كامل الوزير، ثم ألا يسافر بلدياتي كامل الوزير الي قريته بجوار المنصورة، عبر هذا الطريق ناهيك عن بقية الطرق الداخلية الترابية؟
قبل ثلاث سنوات أعلن الدكتور مدبولي عن رفع كفاءة هذه المسافة القاتلة السيئة جدا، وتم رصف وتسطيح، سرعان ما ذاب وانحفر تحت وطأة عجلات النقل الديناصوري..
الشارع بلطجي بصرخات الكلاكسات وغياب الحساب الفوري.. نحتاج إلى حملة انضباط مكثفة قوية هادرة تلجم بلطجية القيادة وبلطجية الباعة بالميكرفونات، وبلطجية الطرق السريعة.. حملة تتابعها بالبث المباشر قنوات التليفزيون، وتكون مثار اهتمام الناس.. تهدئة الشارع، تخفف من نيران الاحتقان بالصدور..
أما الحل النهائي حقا فهو التهدئة بحل هذه الحكومة، وإحلال حكومة تصلح الشارع والطريق وتصالح الناس وتجبر الخواطر وتبرد المشاعر وتعينهم علي الحياة، لا أن تجعلهم يتمنون الموت وهم بعد أحياء.