عسكر وحرامية لعبة لها حكاية!
كانت مصر تحت حكم المماليك حتى احتلها العثمانيون الأتراك عام 1517م، وعين السلطان العثماني سليم الأول واليًا ليحكم، يساعده قواد الجيش العثمانى، وأبقى على المماليك حكامًا على المديريات، لم يهتم العثمانيون بأحوال مصر فتدهورت الزراعة والصناعة والتجارة وانعدم الأمن..
ومع مرور الزمن ضعفت الدولة العثمانية وضعف ولاتها على مصر، الأمر الذي أعاد إلى المماليك نفوذهم تدريجيًا، وأعلن زعيمهم على بك الكبير استقلاله بمصر عام 1769م، وراح علي بك الكبير يُكثر من شراء المماليك وتربيتهم، وكوَّن منهم العسكر، وكان على رأسهم مملوكه الكبير محمد أبو الدهب، الذى انقلب عليه فيما بعد.
وبدأ علي بك نضاله باستعادة زمام الأمور واستتباب الأمن، فقطع دابر قُطاع الطرق وعصابات السطو والمفسدين، وعرَّج على الموظفين الذين يقبلون الرشاوى، فأنزل بهم أقسى العقاب، وراح صوب العابثين بالأمن والمستهترين يضربهم بيد لا ترحم.
لكن تركيا حرضت علي محمد بك أبو الدهب الذى حارب على بك الكبير، فكانت المعركة الفاصلة بينهما هي معركة الصالحية، وفيها سقط على بك الكبير جريحًا ونقل إلى منزله حيث مات بعد عدة أيام عام 1772م.
وخلا الجو لمحمد بك أبو الدهب الذي استطاع أن يستصدر أمرًا من الإستانة بمحاربة ظاهر العمر عقابًا له على تأييده لعلي بك الكبير، ولما صدر له هذا الأمر فُتحت له بلاد الشام البلدة تلو البلدة دون عناء كبير، ولكن أيام أبو الذهب كانت قصيرة فقد مات عام 1775م وأسلم موته البلاد إلى خلاف مرير، حيث برز في مصر ثالوث من المماليك هو (إسماعيل بك، وإبراهيم بك، ومراد بك).
وسارت البلاد فى ظل سطوة المماليك صوب أحداث جسام، فقد حطت الحملة الفرنسية على مصرعام 1798م، والتى دامت قرابة الثلاث سنوات بانتصار الانجليز عليهم، وتم جلاء الفرنسيين عن مصر فى أغسطس من عام 1801م، وثبَّت الإنجليز حكم العثمانيين، واستعرت رحى الصراع بين العثمانيين والمماليك..
وعمد العثمانيون إلى التخلص من المماليك، وأراد المماليك التخلص من العثمانيين، وشهد عام 1802م محاولتين من العثمانيين ضد المماليك، فقد دبر القبطان حسين باشا مؤامرة للتخلص منهم، إذ دعا زعماء المماليك للاجتماع به على إحدى سفن الأسطول للتشاور في شئون البلاد، ثم أطلق القذائف على زورقهم فقتل عدد منهم وجرح آخرون..
وفى القاهرة جرت مؤامرة أخرى ضدهم ولكن الحامية الإنجليزية حمت كثيرين منهم، ولم يبق من المماليك بعد ذلك إلا قلة ضئيلة يتزعمها محمد بك الألفي وعثمان بك البرديسي، وكان أولهما مؤيَّدًا من الإنجليز وأكثر حنكة وذكاء.
وتولى محمد على حكم مصرعام 1805م، ولما تم جلاء الإنجليز عن مصر عام 1807م، كانت قوة المماليك قد بدأت في التلاشي وبدا نجمهم على وشك الأفول، فلم يستطيعوا مقاومة الأحداث، إذ لم يبق لهم شيء من الروح الحربية التي كانوا يتميزون بها في السابق، بعدما صارت بيوت البكوات من المماليك مواخير تغمرها القذارة وتزخر بالدعارة..
بعد أن كانت فى الماضى مثالًا للطهارة والاستقامة، وقد قضت عليهم نهائيًا المؤامرة التي دبرها ونفذها محمد على بالقلعة عام 1811م، والذين نجوا من المماليك بعد ذلك اندمجوا في غمار الشعب ولم تقم لهم بعد ذلك قائمة.
من هنا يمكننا القول أن الفترة ما بين استقلال المماليك بحكم مصر عن العثمانيين على يد على بك الكبير عام 1763م إلى تولي محمد على الحكم عام 1805م كانت فترة مملوكية بامتياز، إذ كان نفوذهم الفعلي هو محرك الأحداث على الأرض، وكان في تلك الفترة المفصلية (ال42 سنة) النفوذ العثماني في أسوأ أحواله، فاستبد عسكر المماليك بزمام السلطة في المديريات والمدن..
وكان المصريون يتقبلون سطوتهم عليهم إذ كان اللصوص وقطاع الطرق يخرقون الأمن ويستلبون خيرات البلاد، الأمر الذى وضع الشعب بين مطرقة اللصوص وسندان العسكر، وانتهزها العسكر فرصةً ـ حاجة الناس للأمن-، فراح العسكر يبتزون الأهالي لدفع الأموال لهم نظير حمايتهم من اللصوص..
فى الوقت الذي كان أسيادهم المماليك قد ساءت أحوالهم المالية، فتعذر دفع رواتب العسكر، من هنا كان أمراء المماليك إذا أرادوا حربًا دفعوا للعسكر، وإذا توقفت الحرب صار العسكر عبئًا على المماليك الذين يسمحون لهم بترك ثكناتهم والارتزاق من الناس لقاء حفظ الأمن.
وكان اللصوص وقطاع الطرق يرسلون كبراءهم إلى القرى والنجوع والمدن لتأليب الناس على العسكر، حين يتعهدون لهم بالكف عن المساس بأمنهم وأرزاقهم لقاء إسقاط حكم العسكر عن البلاد، فيصدقهم الناس ويخرجون على مشارف المدن قائلين لعسكر المماليك: يسقط يسقط حكم العسكر، وما إن يسمع العسكر تلك المقولة، إلا ويعودون سريعًا إلى ثكناتهم، فهم يخشون غضبة الجماهير..
وبمرور الوقت على غياب العسكر يتحلل اللصوص وقطاع الطرق، من كل عهدٍ قطعوه مع الأهالى وعادوا سيرتهم الأولى فى السرقة وترويع الآمنيين، فيعود حنين الناس للعسكر بعدما تتهددهم الأخطار، ومن ثمَّ يذهب وجهاء الناس إلى ثكنات العسكر، يدعونهم للعودة لحمايتهم من بأس اللصوص معتذرين لهم عما بدر من الناس تجاههم.
فيعود العسكر ويفر اللصوص مولين الأدبار، وتمر الأيام فى جولة ثانية، وينسى الناس ما فعل اللصوص بهم، ويأتيهم زعماء اللصوص متعهدين لهم عدم المساس بأمنهم إذا ما أخرجوا العسكر من البلاد، ويصدقهم الناس حين يخرجون فى حشودٍ تهتف: يسقط يسقط حكم العسكر، ويعود العسكر لثكناتهم..
ويتكررالمشهد ويعود اللصوص لخصلتهم الأصيلة فينهبون ويسرقون ويروعون، وثالثة يعود العسكر بنداء من الناس، ويختفى اللصوص من الساحة في ثنائيةٍ جسدها التراث الشعبي المصرى فى لعبة اسمها (عسكر وحرامية) وهي ذات اللعبة التى كنا نلعبها ونحن صغار.
فلما إستدار بنا الزمن وكبرنا وجدنا لعبة عسكر وحرامية تعود ولكن فى ثنائية عجيبة، الحرامية فيها لصوص لسرقة الأوطان واستلاب سيادتها، والعسكر فيها ليس عسكر مرتزقة لمماليك السلطة، بل هم جيش وطني من الناس أنفسهم، ومن يرى في جيش مصر الوطني أنه عسكرٌ، فهم حرامية ولصوص ألعن من اللصوص أيام المماليك، لصوص التآمر على الوطن ممن يدفع لهم الغرب الأموال لتقويض الدولة المصرية..
وما استعمالهم لكلمة عسكر إلا للحط من الجيش الذى يقف حائلًا دون مخططاتهم التدميرية، وقد غاب عن حرامية اليوم من المغيبيين أصحاب شعار (يسقط حكم العسكر) أن العسكر قد انتهوا تمامًا، بعد الضربة القاصمة التى كالها محمد على لأمرائهم المماليك عام 1811م فيما يُعرف بمذبحة القلعة.