فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

عفوا.. نفد رصيدكم من الكلمات!

يقدم لنا الفيلم الأمريكي (1000 كلمة)، بطولة إيدي ميرفي، وإخراج براين روبنز، قصة رجل ثرثار جدا يعمل مديرا لدار نشر، تصيبه لعنة تجعله مرتبطا بشجرة في حديقته، ارتباطا يوحد بينهما (الرجل والشجرة)، ويكتشف البطل أن حياته أصبحت رهينة ببقاء هذه الشجرة على قيد الحياة، وأصبحت كل كلمة ينطق بها الرجل تُسقط ورقة من الشجرة.. 

وبما أن هناك نحو 1000 ورقة خضراء في الشجرة، فهذا يعني أن الرجل يمتلك رصيد كلمات يبلغ 1000 كلمة فقط، إذا سقطوا جميعا فسوف تنتهي حياته بالتأكيد!


ويدخل بطل الفيلم تحديا مع نفسه يستهدف خلاله أن ينطق بأقل عدد ممكن من الكلمات، ليعيش أطول فترة ممكنة، ويتطور هذا التحدي ليصبح هدف البطل أن يقول الكلمات المفيدة فقط، وبشكل أكثر تحديدا، الكلمات التي تفيد المحيطين به وتسعدهم فحسب!


أتذكر هذا الفيلم البديع والمتفرد في فكرته، كلما شاهدت أحاديث الناس على السوشيال ميديا، أحايثهم التي تعدت حدود الثرثرة الفارغة، لتتحول إلى خناجر يطعنون بها بعضهم البعض دون رحمة، في ظل استسهال غريب للخوض في الأعراض، وتوجيه أقسى الاتهامات استنادا لكلام مرسل وأخبار مجهولة المصد، وأحيانا تأليف الأكاذيب وترديدها.. 

بحيث ينتقل الناس من مرحلة استسهال الكذب إلى الاستمتاع به، وكأنهم بذلك ينتقمون من الظروف القاسية التي يعيشونها في أشخاص آخرين، ربما كانوا يعيشون نفس ظروفهم، أو أصعب!


أتخيل أننا جميعا -لسبب ما- أصبحنا مصابين بنفس لعنة بطل الفيلم الثرثار، ماذا سيحدث لو كانت الكلمات مثل رصيد الهاتف المحمول، يمكن أن تنفد فيصاب الشخص بالخرس، أو يموت، سيكون كل منا بطبيعة الحال أكثر حرصا ودقة في اختيار كلماته، فهو يتحدث عندما تستدعي الضرورة ذلك، وإذا تحدث كان مفيدا لغيره، مصداقا لحديث النبي الكريم صلى الله عليه وسلم (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ)..

نحتاج بالفعل أن نحول فكرة هذا الفيلم إلى منهج حياة، نحتاج لصمت طويل تتخلله فترات من التأمل، أما اذا استمر الحال كما هو، وظل كل منا يمتلك رصيد  لا ينفد من الكلمات، فلن ينجو أي منا من سهام الآخرين، فجميعنا نتحدث في وقت واحد، دون أن نعطي أنفسنا والآخرين فرصة لنسمع، نحتاج إلى أن يكون للكلمات ثمن، حتى نقدر قيمتها حق التقدير!