ابن مين في مصر؟
تصادف دخولي مارينا العلمين بينما كان هناك عركة متكررة، أحدهم معترض على طلب فرد الأمن تصريح الزيارة، استفزني جدا التعالي والخشونة في التعامل من قبل الزائر، ولآن لكل فعل رد فعل، غضب فرد الأمن وشعر بالقهر من التهديد والوعيد، حاولت أن أعيد للرجل كرامته، ولكن الباشا المتكبر رفض الاعتذار وكاد أن يشتبك معي..
المهم كانت الحوارات بين الطرفين كاشفة للهوة الطبقية في البلد، الآن أضف إليها ما يحدث والقصص المتداولة في الساحل، وأسعار الحياة الآن، حدثني واحد من كبار رجال الأعمال أنه جلس في احدي كافيهات الساحل، وإكتشف أن سعر زجاجة المياة العادية ب150 جنيها، وكان الرجل متعجبا من أن رواد الكافية يدفعون بدون أن يثير ذلك لديهم أي قدر من الرفض..
هذا إلي جانب أسعار الشقق والقصور التي تتجاوز أحيانا ال500 مليون جنيه، حتي إن المجتمع أطلق عليهم أهل ايجبت للتفرقة عن أهل مصر من المصريين، وهو ما خلق مقولة (إنت مش عارف أنا إبن أو بنت مين في مصر).. وهي أكثر عبارة تسمعها الآن في أي مكان، يحتاج إبراز الهوية حالات من الغرور والكبر..
وهناك عبارة أخري (أنت مش عارف أنا مين) جملة استنكارية متكررة ومتنوعة التداول، حتى أصبحت تيمة يرددها كل من هب ودب بالحق أو بالباطل، من يستحقها ومن لا يمت لها بصلة. نسمع هذه الجملة بمناسبة وغير مناسب حتى أصبحت عقدة، والأنكى يتباهى بها كل من يتشدق بكلماتها، وكأنها متلازمة المكانة الاجتماعية الخاصة به..
في علم الاجتماع يطلق على الظاهرة "الإيجو" و"السوبر إيجو"، هى تضخم "الأنا" و"الأنا الأعلى" فحين يتنامى هذا الإحساس ويتضخم يفشل المجتمع فى تحديد هويته، فالألقاب لا تصنع الشخصية، لكن فى مجتمعنا الألقاب وهى السائدة وهى التى تحدد المكانة.. البيه والباشا والبرنس..
ألقاب تتلقفها جميع شرائح المجتمع وفى معظم الأوقات، دون وجه حق، بل لمجرد التضخيم وتضخيم الأنا ليشعر صاحبها بالرضا عن ذاته، وأن كان شعورا زائفا، والمبالغة فى الاحتفاء بهذه الصفات تعطى قدرا أكبر لصاحبها فيختال كالطاووس مصدقا نفسه..
رغم النهي عنهم قال الله تعالى: (وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا) وقال الله تعالى ايضا: (وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) كما قال صلى الله عليه وسلم: “لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر”
وهذا الكبر نتيجة مباشرة للخلل الاجتماعي، ومنذ مجانية التعليم أصبح أحد أهم أبواب الصعود الاجتماعي -لم يكن امتلاك الثروة شرطًا أساسيًا للانتماء إلى الطبقة الوسطى- كان التعليم والمهنة والاستقرار الوظيفي والمكانة الاجتماعية عناصر شديدة الأهمية في تحديد موقع الفرد والأسرة داخل المجتمع.
وتكمن أهمية الطبقة الوسطى في أنها تمثل منطقة التوازن بين طرفي الهرم الاجتماعي. فالمجتمع الذي توجد فيه طبقة وسطى واسعة وقوية يكون أكثر قدرة على تحقيق الاستقرار الاجتماعي والحراك الاقتصادي، بينما يؤدي تقلصها إلى زيادة المسافة بين الفئات الأعلى دخلًا والفئات الأقل دخلًا، وهو مايحدث الان بشراسة وبسرعة قصوي ووسط هذه الظروف انحرف مسار المجتمع.
والآن تغيرت قواعد المجتمع وتملكته جينات من نوع جديد "حقى بدراعي" ونسبي وحسبي دون الالتفات للقانون والقائمين عليه، والمشغولون عنا بصياغة وتفصيل بنوده لتحفظ للحكومة وجودها، وعلى كثره الانهيارات التى يعانى منها المجتمع، لا نستطيع إغفال حق أشخاص نبتوا وسط الأشواك والتشوهات قد لا نعرفهم غير أننا نتعثر بأحدهم هنا أو هناك، بإختصار لا يوجد شخص متعلم مثقف متدين ينظر نظرة دونية لأى شخص آخر، أيا كان وضعة المادي أو الاجتماعي.