فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

إغلاق الجراجات وتأجير الشوارع

ظاهرة غريبة وخطيرة في آنٍ واحد بدأت تتفشى في شوارع القاهرة، وامتدت إلى عدد من المحافظات، تتمثل في تأجير الشوارع للمواطنين مقابل انتظار سياراتهم أمام منازلهم، بعد حجز أجزاء من الطريق بالسلاسل الحديدية والأقفال والجنازير، في مشهد عبثي لا يليق بعاصمة دولة تسعى إلى الانضباط والتحضر.


هذه الممارسات لا تشوّه المظهر الحضاري للشوارع فحسب، وإنما تفتح أيضًا أبوابًا واسعة للمشاحنات والمشكلات بين المواطنين، وقد تتطور إلى جرائم، في ظل غياب قواعد واضحة وعدالة في استخدام الفضاء العام.


والأمر لم يتوقف عند الشوارع، بل امتد في بعض الحالات إلى تأجير أسوار المنشآت والحدائق العامة، وكأن كل مساحة عامة يمكن تحويلها إلى مصدر للإيرادات، بصرف النظر عن حق المواطنين فيها.


بل إن الأمر تجاوز مجرد توفير مكان للسيارة، فأصبح بإمكان الساكن أن يحجز جزءًا من الشارع أمام منزله، حتى لو لم يكن في حاجة فعلية إليه، مقابل مبلغ زهيد لا يتجاوز 450 جنيهًا، وكأن الطريق العام أصبح ملكية خاصة تُحجز وتُؤجَّر لمن يدفع.


إغلاق الجراجات كان بداية المشكلة فالمفارقة المؤلمة أن بعض المحليات إما فشلت في مواجهة الظاهرة، أو تساهلت معها، أو لم تتمكن من فرض القانون على أصحاب العقارات الذين أغلقوا الجراجات الإلزامية أو غيّروا نشاطها إلى كافيهات ومطاعم ومخازن وسناتر للدروس الخصوصية وصالات ألعاب رياضية، رغم أن تراخيص هذه العقارات صدرت أساسًا على وجود تلك الجراجات.


وبدلًا من إلزام المخالفين بإعادة فتح الجراجات أو محاسبتهم قانونيًا، لجأت بعض الجهات إلى الحل الأسهل والأخطر: تأجير الشوارع نفسها للسكان، وكأن الطريق العام أصبح سلعة تُباع وتُؤجر، وليس حقًا أصيلًا ومشتركًا لجميع المواطنين.


ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد أخفقت أجهزة الدولة في تحرير الأرصفة والشوارع من التعديات التي يفرضها بعض أصحاب المحال والعقارات، فضلًا عن بعض البلطجية و«السياس»، حتى أصبح العثور على مكان لانتظار السيارة معاناة يومية، بل حلمًا بعيد المنال، وهو ما يساهم أيضًا في زيادة التكدس والاختناقات المرورية.


الحل واضح لكنه يحتاج قرارًا شجاعًا فالحل لا يكمن في تقنين الفوضى، وإنما في إيقاف تأجير الشوارع، وإزالة كل أشكال الحواجز والتعديات، وإلزام أصحاب العقارات بإعادة فتح الجراجات التي تم إغلاقها أو تغيير نشاطها بالمخالفة للقانون.


وإذا تعذر ذلك في بعض المناطق، فيجب التوسع في إنشاء الجراجات العامة متعددة الطوابق، مع تحميل المخالفين المسؤولية عن تكلفة إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه، وفقًا للقانون.


وأتوجه هنا إلى الدكتور إبراهيم صابر، محافظ القاهرة، الذي أعرفه رجلًا محترمًا يبذل قصارى جهده في محافظة شديدة التعقيد، يتجاوز حجم سكانها ونطاقها الجغرافي عدة دول صغيرة مجتمعة. لكنه، مهما بذل من جهد، يحتاج إلى تضافر جميع أجهزة الدولة وتعاونها، لأن ملف الانضباط في شوارع القاهرة أكبر من أن تتحمله جهة واحدة.


وأتمنى أن يصدر قرار واضح بإلغاء تأجير الشوارع، وتطهيرها من الكتل الخرسانية والسلاسل والجنازير وكافة أشكال التعديات، حفاظًا على المظهر الحضاري للعاصمة، وصونًا لحق المواطن في الطريق العام.


ومثل هذا القرار لن يكون مجرد إجراء إداري، بل سيكون انتصارًا للمواطن وتخفيفًا لمعاناته في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، كما أنه سيحد من أسباب الاحتكاك والمشاحنات بين الجيران والمواطنين.


ولدى المحليات مصادر عديدة يمكنها من خلالها تحقيق الإيرادات، بعيدًا عن تشويه الشوارع وتحويل الحق العام إلى سلعة وإثارة الفتن بين المواطنين.


الضوضاء وجه آخر لفوضى الشارع ولا يمكن الحديث عن الانضباط في الشارع دون التوقف أمام الضوضاء والإزعاج الناتجين عن الدراجات البخارية والتكاتك والتروسيكلات، التي تجاوزت في كثير من المناطق كل الحدود، وأصبحت مصدرًا دائمًا لإزعاج المواطنين وتهديد سلامتهم.


إن ترك مثل هذه الظواهر دون مواجهة حاسمة يبعث برسالة خاطئة مفادها أن القانون يمكن تجاوزه، وأن الشارع يمكن الاستيلاء عليه لمن يملك القدرة على فرض الأمر الواقع. نحن أمام معركة انضباط واحترام للقانون والحق العام، وليست مجرد مشكلة انتظار سيارات.


فالدولة التي تحترم مواطنيها هي التي تحمي حقهم في شارع منظم، ورصيف آمن، وبيئة هادئة، ومجال عام لا يخضع للنفوذ أو القوة أو القدرة على الدفع.


وأظن أن الوصول إلى حل حاسم وقابل للتنفيذ يحتاج إلى دعم سياسي وإداري قوي، وربما إلى تدخل مباشر من السيد رئيس الجمهورية لضمان توحيد جهود الأجهزة المعنية، ووضع حد لهذه الممارسات التي أصبحت تمس الحياة اليومية للمواطن.

إعادة الانضباط، ومواجهة الفساد، وفرض احترام القانون ليست ترفًا، وإنما هي الأساس الحقيقي لدولة القانون ونهضة الأمم، والأهم أنها أحد المقومات الأساسية لجودة الحياة التي يستحقها الشعب المصري.