محطات تاريخية (الحلقة الرابعة)
شهد عهد عمر بن الخطاب في الفترة من 634 م حتى 644 م الموافق 13: 24 هـ، والذي دام 10 سنوات و6 أشهر، فتوحات واسعة طالت أصقاعًا بعيدة ومترامية، إذ تمكن رضي الله عنه من فتح العراق، وإيران، وأذربيجان، وأرمينيا، وجورجيا، وسوريا، والأردن، وفلسطين، ولبنان، ومصر، وجزء من أفغانستان وتركمانستان، وجنوب غرب باكستان..
واستطاع رضي الله عنه دمج هذه البلدان داخل دولة الخلافة الواحدة.. فخلال عهده سقطت إمبراطورية فارس وتم محو حكم آل ساسان، وفقد البيزنطيون الروم ثلاثة أرباع أراضي إمبراطوريتهم العتيدة..
هذا وقد أثمر عهد عمر بن الخطاب نتيجتين على جانب كبير من الأهمية:
الأولى: إزالة الدولة الفارسية (الساسانية) من الوجود، وفي الجانب المقابل حُجمت الدولة الرومية (البيزنطية) ومن ثم كانت نهاية هذا الصراع الدائر بينها وبين الفرس، والذي جرَّ شعوب المنطقة إلى حروب دامية، لا لشيء إلا للمحافظة على مصلحة الحكام في كلتا الإمبراطوريتين.
والثانية: ظهور قيادة عالمية واحدة للمنطقة التي تقع في منتصف العالم آنذاك..
وبعد كل هذا المجد الذى أحدثه عمر رضي الله عنه، صار هدفًا للمتربصين ممن كسرتهم شدته، وبات التدبير في الخفاء لقتل رأس الخلافة، لعل ذلك حسب ظنهم يوهن الإسلام وأهله، فها قد واتت الفرصة أعداء الإسلام من الفرس أن ينفذوا طعنات الغدر في خليفة المسلمين عمر بن الخطاب وهو يهم بصلاة الفجر في المسجد..
أنفذها مولى فارسي أُسر في معركة نهاوند وصار ملكا للمغيرة بن شعبة يُدعى (فيروز ويكنى بأبي لؤلؤة المجوسي) وطعن نفسه بعدما قتل خنجره المسموم الخليفة الراشد عمر بن الخطاب وعددًا من المصلين في عتمة الظلام قبل سفور الصبح.. وقُتل الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه بيد الغدر الآثمة ممن وترتهم ضرباته الحاسمة.
هذا وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عته، يخشى على المسلمين الفرقة من بعده، كما هم خافوا ذلك أيضا، فعرضوا عليه تعيين خلفٍ له، فأبى عمر تحديد شخص بعينه، بيد أنه وضع لهم بديلًا، يؤمن حاجتهم في تعيين الخليفة، فقد تفتق ذهنه في لحظاته الأخيرة إلى جعل ترشيح الخليفة من بعده، لا يخرج عن خيار الصحابة، وهم الستة المبشرون بالجنة (عثمان بن عفان، علي بن أبى طالب، طلحة بن عبيد الله، الزبير بن العوام، سعد بن أبي وقاص، عبد الرحمن بن عوف).
ووضع عمر لهذا الأمر دستورًا محكمًا؛ حيث إنه ضم ابنه عبد الله كي يكون له رأي في الاختيار، شريطة ألا يُختار هو للخلافة، ولم يغب عن بال عمر تحديد ميقات للتشاور وأخذ الآراء، حددها بثلاثة أيام.
فلما استشهد -رضوان الله عليه- في الأول من محرم سنة 24 هـ، انعقد مجلس الأخيار لتحديد خلف له، فانبرى عبد الرحمن بن عوف واقترح إخراج نفسه من دائرة الستة، على أن يقوم الترشيح بين الخمسة دونه، وعلى أن يتم مشاورة الناس في ذلك (واستشار عبد الرحمن الخاصة، والعامة، واستشار المرشحين، فوجد أن الإجماع يكاد يكون منعقدًا على عثمان أو علي ين ابي طالب، فانحصرت الخلافة فيهما، فاختير عثمان لكبر سنه وسهولة طبعه) العقد الفريد/ ابن عبد ربه جـ4 ص303.
وتولى عثمان الخلافة 3 محرم سنة 24هـ وقد أتم من عمره السبعين، وانتهز المتربصون ممن أزال سلطانهم الفتح الإسلامي، انتهزوا فرصة إنهماك الخليفة عثمان بتدبير شئون الدولة، فقامت ثورتا خرسان والإسكندرية، وفي ثورة الإسكندرية استعان المندسون بالروم في محاولة لإعادتهم إلى مصر ثانية، فما كان من عثمان إلا أن أرسل جيشين في آن واحد، توجه الأول إلى خرسان، والثاني إلى الإسكندرية، وحسم أمرهما وأعادهما لدولة الخلافة. وقطع أذناب التمرد في البلدين.
وشهد عهد عثمان بن عفان في الفترة بين 644م: 656 م الموافق 24 هـ: 35 هـ، والذي دام ما يقرب من 12 عاما أحداثًا كبرى، أهمها أنه في عهده قد تم جمع القرآن الكريم في مصحف واحد، وقام بعمل توسعة للمسجد الحرام وكذلك المسجد النبوي، وضم بقاعًا كانت تنتظر دورها في خطة الفتح الإسلامي، إذ انطلق عثمان بن عفان متممًا مشوار الفتح والتوسع، فأنشأ الأسطول البحرى ليمكنه من ذلك.
(فقد انضم إلى الدولة الإسلامية برقة وطرابلس غرب مصر، وانضم لها جزء من بلاد النوبة في الجنوب، وانضمت لها بلاد أرمينية، وأجزاء من طبرستان وهي المنطقة الجبلية جنوبي قزوين، وتخطت جيوش المسلمين نهر جيجون ودخلت بلاد ما وراء النهر في الدولة الإسلامية، فاستولى المسلمون على بلخ وهراة وكابول، وغزنة من بلاد الأتراك.
وعن طريق البحرية الإسلامية دخلت قبرص في إطار الدولة الإسلامية، وقد قام بغزوها معاوية بن أبي سفيان سنة (28هـ) ومن أهم المواقع البحرية موقعة ذات السواري، أو ذات الصوارى، وقد حدثت (سنة 31هـ) في البحر المتوسط بالقرب من الإسكندرية، بين جيش الروم يقوده قسطنطين، وبين عبد الله بن أبي السرح والي مصر..
وسميت « ذات السواري » نسبة إلى سواري البواخر التي اشتركت فيها، ويقال إنه اشترك فيها ألف سفينة منها مائتان للمسلمين والباقى للروم، وقد كسب المسلمون النصر فى هذه الموقعة) موسوعة التاريخ الإسلامى للدكتور أحمد شلبى جـ1 ص600/601.. وإلى الحلقة القادمة في سلسلة محطات تاريخية.