محاكم الأسرة.. الحق لا يكفي
تستحق قضية محاكم الأسرة أن ننظر إليها من زاوية أوسع من حدود النصوص القانونية وإجراءات التقاضي؛ فهي في جوهرها قضية اجتماعية وإنسانية ونفسية تمس الأسرة والأطفال بصورة مباشرة.
وبحكم دراستي للاجتماع وعلم النفس، وحصولي على دبلومة متخصصة في علم اجتماع الإجرام، إلى جانب فترة عملي مستشارًا إعلاميًا للمجلس القومي لشؤون الإعاقة، أرى أن تطوير منظومة العدالة الأسرية يحتاج إلى النظر أيضًا إلى المواطن (المرأة أو الرجل) الذي يقف خلف ملف القضية، وإلى الظروف التي يعيشها بعد صدور الحكم.
وقد أتاحت لي تلك المسؤولية المهنية التعرف إلى بعض الحالات الإنسانية لأمهات من ذوات الإعاقة كن يواجهن صعوبة في الحصول على حقوق أبنائهن، وهو ما يؤكد أهمية أن تكون العدالة قابلة للوصول إليها، خصوصًا بالنسبة إلى الفئات الأكثر احتياجًا للحماية.
لكن القضية الأوسع التي تستحق النقاش هي: ماذا يحدث عندما يحصل الزوج أو الزوجة على حكم قضائي، ثم يجد أن الوصول إلى تنفيذ هذا الحكم يحتاج إلى رحلة جديدة من الإجراءات والوقت والتكلفة؟
الأرقام تكشف أن الموضوع ليس هامشيًا. فقد سجلت مصر 273,892 حالة طلاق خلال عام 2024، مقابل 265,606 حالات عام 2023، بزيادة بلغت 3.1%، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
وبالطبع لا تعني كل حالة طلاق نشوء نزاع قضائي، لكن وجود الأبناء يجعل الانفصال في كثير من الحالات بداية لمسائل متعددة تتعلق بالنفقة والتعليم والعلاج والحضانة والرؤية وغيرها. وهنا تبدأ المشكلة، قد تضطر الأم إلى رفع دعوى، ثم انتظار الجلسات، وتقديم المستندات، والحصول على الحكم، وربما مواجهة الاستئناف، ثم تبدأ مرحلة التنفيذ.
وإذا لم يتم السداد من جانب الأب، قد تدخل المطلقة في إجراءات جديدة، وتحتاج إلى متابعة الملف واتخاذ إجراءات قانونية أخرى. وهكذا يمكن أن يتحول الحق الذي يفترض أن تحميه الدولة إلى رحلة طويلة تستنزف الوقت والمال والطاقة النفسية.
ولا يجب أن نغفل أن المحامي نفسه يتحمل جهدًا ووقتًا وتكاليف في متابعة هذه المراحل، وقد يؤدي تعدد الإجراءات إلى ارتفاع أتعاب التقاضي بالنسبة للمواطن، خصوصًا في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها قطاعات واسعة من المجتمع.
وهنا لا أتحدث عن المحامين باعتبارهم سبب المشكلة، وإنما عن ضرورة أن تكون رحلة التقاضي واضحة الإجراءات والتكاليف منذ البداية، وأن يعرف المواطن ما الذي ينتظره حتى يحصل على حقه وينفذ الحكم.
وفي المقابل، يجب أن نكون منصفين مع الأب أيضًا، فليس كل من يتأخر في السداد متعمدًا للتهرب؛ فقد يكون هناك أب فقد عمله أو انخفض دخله أو يمر بظروف اقتصادية قاسية، لكن عندما يثبت تعمد إخفاء الدخل أو التحايل أو الامتناع عن تنفيذ حكم واجب النفاذ، فإن الأمر يتجاوز الخلاف بين الزوجين؛ لأن المتضرر في النهاية قد يكون الاطفال..
فالطفل لا يستطيع تأجيل احتياجاته إلى أن تنتهي الإجراءات، فهو يحتاج إلى الطعام والتعليم والعلاج والملابس والمواصلات والرعاية اليوم، وليس بعد سنوات من التقاضي والتنفيذ، من هنا أعتقد أن الإصلاح الحقيقي يجب ألا يتوقف عند إصدار الحكم.
ونجد السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا لا تصبح محكمة الأسرة هي البوابة الواحدة أو الشباك الواحد الذي تبدأ منها رحلة العدالة وتنتهي عند تنفيذ الحكم وحصول الأبناء على حقوقهم؟
وهنا ليس المقصود إلغاء درجات التقاضي أو الانتقاص من حق أي طرف في الدفاع والطعن، وإنما إنشاء مسار متكامل داخل منظومة محاكم الأسرة: دعوى، وحكم، ثم ملف تنفيذ، ومتابعة للسداد، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة عند الامتناع، وصولًا إلى حصول صاحب الحق على مستحقاته.
ومحاكم الأسرة هامة جداَ وهي قائمة بالفعل منذ صدور القانون رقم 10 لسنة 2004، الذي أنشأ محاكم متخصصة ودوائر استئنافية متخصصة في مسائل الأسرة، كما أن القانون أنشأ مكاتب لتسوية المنازعات الأسرية تضم متخصصين قانونيين واجتماعيين ونفسيين.
ولذلك فإن المقترح هنا ليس إنشاء منظومة من الصفر، وإنما تطوير ما هو قائم بحيث تصبح رحلة الأسرة أكثر ترابطًا من التقاضي حتى التنفيذ، كما ينبغي أن تكون التكاليف الإجرائية واضحة ومحددة قدر الإمكان منذ بداية الدعوى، مع استمرار الإعفاءات التي يقررها القانون لدعاوى النفقة، ودراسة سبل تخفيف الأعباء عن الأسر غير القادرة.
وفي هذا السياق، جاءت بعض التطورات المهمة في مشروع قانون الأسرة الذي وافق عليه مجلس الوزراء في 29 أبريل 2026. حيث أعلنت وزارة العدل أن المشروع يستهدف تبسيط الإجراءات والحد من النزاعات الأسرية..
ونص على إنشاء إدارة لتنفيذ الأحكام بمقر كل محكمة ابتدائية تتولى تنفيذ الأحكام والقرارات الصادرة عن محاكم ونيابات الأسرة، بهدف تسريع التنفيذ وتخفيف الأعباء عن المتقاضين. كما تضمن استخدام وسائل تقنية المعلومات والربط الإلكتروني بين محاكم ونيابات الأسرة وصندوق دعم الأسرة والجهات ذات الصلة لمتابعة تنفيذ الأحكام.
كما يتضمن المشروع استمرار إعفاء دعاوى النفقات والأجور وما في حكمها من جميع الرسوم القضائية في جميع مراحل التقاضي، مع تولي نيابة شؤون الأسرة اتخاذ إجراءات لتحديد الدخل الحقيقي للمدعى عليه عند قيد دعاوى النفقات، وفق ما أعلنته الجهات الحكومية بشأن المشروع.
لكن من المهم هنا التأكيد أن ما نتحدث عنه هو مشروع قانون، وليس قانونًا نافذًا، وهو ما يجعل هذه المرحلة فرصة مناسبة للنقاش المجتمعي والقانوني حول أفضل السبل لتطويره. والرقابة على التنفيذ ضرورة يبقى السؤال الأهم: من يراقب تنفيذ الحكم؟ حيث لا يكفي أن نعرف عدد الأحكام التي صدرت؛ بل يجب أن نعرف كم حكمًا تم تنفيذه، وكم استغرق التنفيذ، وما أسباب التأخير، وما المبالغ التي تم تحصيلها، وهل وصل الحق بالفعل إلى مستحقه.
ومن هنا تأتي أهمية وجود رقابة جادة على تنفيذ أحكام الأسرة، مع مؤشرات واضحة لقياس الأداء، ومتابعة إلكترونية يستطيع من خلالها صاحب الحكم معرفة موقع ملفه والإجراء الذي تم اتخاذه والخطوة التالية.
فالرقمنة لا ينبغي أن تكون مجرد وسيلة للاستعلام، وإنما أداة للمتابعة والشفافية والمساءلة. في الوقت نفسه، يجب أن تشمل الرقابة أداء منظومة التنفيذ نفسها، حتى لا يتحول أي تأخير إداري أو إجراء متكرر إلى عبء جديد على الأسرة.
وقد وافق مجلس الوزراء في 13 مايو 2026 على مشروع قانون بشأن إنشاء وتنظيم الصندوق التكافلي لدعم الأسرة المصرية، وأعلن أن الهدف يأتي ضمن حزمة مشروعات قوانين الأسرة التي وجهت الدولة بسرعة الانتهاء منها وإحالتها إلى البرلمان..
ونص مشروع القانون على أن يُنشأ الصندوق التكافلى لدعم الأسرة المصرية، ليحل محل صندوق نظام تأمين الأسرة، فيما له من حقوق وما عليه من التزامات، على أن يستمر صرف النفقات والأجور وما في حكمها المحكوم بها من حصيلة موارد صندوق نظام تأمين الأسرة، وفقا للضوابط المعمول بها، حتى بداية الصرف من الصندوق التكافلى لدعم الأسرة المصرية، وذلك اعتبارا من اليوم التالي لانقضاء ستة أشهر من تاريخ العمل بهذا القانون.
وهذه خطوة مهمة، لكن نجاح أي صندوق أو إدارة تنفيذ أو منظومة إلكترونية يجب أن يقاس في النهاية بقدرتها على اختصار المسافة بين الحكم ووصول الحق إلى مستحقه.
وهنا لا يمكننا أن نغفل أن العدالة الأسرية مسؤولية مجتمعية، وفي ضوء تطوير منظومة محاكم الأسرة لا ينبغي أن يكون شأنًا قانونيًا فقط، وإنما يحتاج إلى حوار يشارك فيه القضاة والمحامون والفقهاء الدستوريون وعلماء الشريعة وعلماء الاجتماع وعلماء النفس وخبراء التحول الرقمي، إلى جانب المجلس القومي للمرأة والمجلس الاعلي للأمومة والطفولة والاستماع إلى الأسر التي خاضت بالفعل تجربة التقاضي والتنفيذ.
فطول النزاع لا يؤثر فقط في ميزانية الأسرة، وإنما قد تكون له آثار اجتماعية ونفسية على الأطفال والآباء والأمهات،ويصل في بعض الاحيان الي التسريب من الدراسة وانتشار عمالة الاطفال، إذن القضية في جوهرها ليست معركة بين الرجل والمرأة فقط، إنها مسؤولية تجاه طفل.
لذلك يجب ألا يكون معيار نجاح محاكم الأسرة فقط: كم حكمًا صدر؟ بل:كم حكمًا نُفذ؟ وكم استغرق تنفيذه؟ وكم كلف الأسرة نفسيًا ومادياَ؟ وهل وصل الحق بالفعل إلى الطفل؟ فالعدالة لا تكتمل عندما يصدر الحكم، لكن العدالة تكتمل عندما يتحول الحكم إلى حق يصل إلى صاحبه.