كيف تحدى هرم خوفو الزلازل لأكثر من 4600 عام؟!.. الهرم الأكبر يتميز بتصميم هندسي بالغ الدقة وقدرة استثنائية على تشتيت الموجات الزلزالية
الهرم الأكبر، حوالي عام 2500 قبل الميلاد، أطلق الفرعون المصري خوفو مشروعا إنشائيا ضخما لبناء هرم شاهق على هضبة الجيزة ليكون مقبرته، إلى جانب عدد من الأهرامات الأصغر المخصصة لزوجاته، وعلى مدار 26 عاما، نقل آلاف العمال أكثر من 2.3 مليون كتلة من الحجر الجيري والجرانيت ورصوها لتشييد الهرم الذي بلغ ارتفاعه 481 قدما، وظل شامخا عبر آلاف السنين في مواجهة عوامل الزمن.
وعلى الرغم من تعاقب الزلازل التي شهدتها مصر عبر التاريخ، وآخرها الهزة الأرضية القوية التي ضربت مصر اليوم الإثنين، واصل الهرم الأكبر بالجيزة تحديه لعوامل الطبيعة، محافظا على استقراره لأكثر من 4600 عام.
وقد تحول هذا الصمود الاستثنائي إلى لغز يحير علماء الآثار والمهندسين، خاصة أن زلزال عام 1992، الذي بلغت قوته 5.8 درجات، متسببا في أضرار جسيمة طالت أكثر من 129 ألف مبنى، كما أصيبت مساجد تاريخية ومقابر في وادي الملوك بتشققات استدعت أعمال تدعيم، بينما لم يتسبب هذا الزلزال سوى في تحرك وسقوط عدد محدود من أحجار الكسوة الخارجية، بينما بقي الهيكل الرئيسي للهرم متماسكا دون أضرار تذكر، ما أعاد طرح التساؤلات حول أسرار تصميمه الهندسي وقدرته الفائقة على مقاومة الزلازل.
محاولات لفك شفرة خلود الهرم الأكبر
في سياق رحلة البحث التي لا تتوقف لفك طلاسم سر خلود الهرم الأكبر، ومعه هرما خفرع ومنقرع، جمع باحثون من مصر واليابان في دراسة نشرتها دورية "ساينتيفيك ريبورتس" العلمية، بيانات عن ترددات الرنين والاهتزاز من نحو 40 موقعا داخل الهرم الأكبر ومحيطه، لقياس استجابته للنشاط الزلزالي، في محاولة لدراسة مجموعة من الخصائص الهندسية التي قد تفسر قدرة هذا الصرح التاريخي على مقاومة الهزات الأرضية.

وأظهرت نتائج الدراسة أن هيكل الهرم الأكبر يمتلك قدرة استثنائية على تشتيت الموجات الزلزالية؛ ما يمنحه ثباتا كبيرا حتى أثناء الزلازل المدمرة.
بحسب تقارير إعلامية، كشفت القياسات التي أجراها فريق البحث أن للهرم الأكبر ترددا طبيعيا للاهتزاز يتراوح بين 2 و2.6 هرتز، في حين يبلغ التردد الأساسي للتربة المحيطة نحو 0.6 هرتز فقط.
ويشير هذا الاختلاف إلى أن استجابة الهرم للاهتزازات الأرضية تختلف عن استجابة الأرض التي يستند إليها.
قدرة فائقة على تحدي تأثيرات الزلازل
وتقول الدراسة: لكل منشأة تردد طبيعي خاص بها، وعندما تتوافق ترددات الزلزال مع هذا التردد تتضاعف الاهتزازات نتيجة ظاهرة تعرف باسم "الرنين"، وهو ما قد يؤدي إلى أضرار جسيمة. أما في حالة الهرم الأكبر، فإن التباين بين تردداته وترددات التربة قد يقلل من فرص حدوث هذه الظاهرة، وبالتالي يحد من تأثير الزلازل عليه.

كما رصد الباحثون وجود مناطق داخلية داخل الهرم تنخفض فيها مستويات الاهتزاز مقارنة ببقية الأجزاء. ويرجح الفريق أن هذه الفراغات لم تنشأ فقط لتخفيف الأحمال الواقعة على الغرف الداخلية، بل ربما ساعدت أيضا في إعادة توزيع الطاقة الناتجة عن الاهتزازات، بما يعزز استقرار البنية أثناء الزلازل.
الهرم الأكبر، منظومة هندسية متكاملة
على الرغم من أهمية اختلاف الترددات الطبيعية، شددت الدراسة على أن هذا العامل وحده لا يفسر قدرة الهرم على الصمود، إذ تتداخل معه عناصر إنشائية أخرى، من بينها نوعية الأحجار المستخدمة، وخصائص الهيكل، وطبيعة الأحمال، وشدة الهزات الأرضية.
ويرى الباحثون أن مقاومة الهرم الأكبر للزلازل تعود إلى تكامل مجموعة من السمات الهندسية، مثل القاعدة الواسعة، وانخفاض مركز الثقل، والتوزيع المتوازن للأحمال، إلى جانب الشكل الهرمي الذي يعزز الثبات.
وتشير الدراسة إلى أن هذه الخصائص قد تكون ثمرة تراكم طويل للخبرة في فنون البناء، أكثر من كونها تصميما استهدف مقاومة الزلازل بشكل مباشر.
ويؤكد الباحثون أن صمود الهرم الأكبر ليس نتيجة الصدفة، لكنه أيضا لا يشكل دليلا حاسما على امتلاك المصريين القدماء معرفة متخصصة بعلم الزلازل، بل يعكس مستوى متقدما من الإبداع الهندسي لا يزال يثير اهتمام العلماء ويحفزهم على مواصلة البحث في أسراره.
هرم خوفو، تحفة هندسية تطبيقية
تنقل مجلة “ناشيونال جيوجرافيك” عن عالم الزلازل المصري عاصم مصطفى، الباحث بالمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية بالقاهرة، وأحد المشاركين في الدراسة، قوله: إن نتائج القياسات أظهرت أن الهرم الأكبر يتمتع بتوازن إنشائي بالغ الدقة، ما يعكس تصميما هندسيا أسهم في تعزيز استقراره على مدار آلاف السنين.
وأوضحت الدراسة أن هذه النتائج تمثل دليلا جديدا على المستوى المتقدم الذي بلغه المهندسون المصريون القدماء، لكنها شددت في الوقت نفسه على أنه لا توجد أدلة قاطعة تؤكد أن مقاومة الزلازل كانت هدفا مقصودا عند تشييد الهرم.
ويرى مصطفى أن هذا الإنجاز الهندسي لم يكن وليد الصدفة، بل جاء ثمرة خبرات تراكمت عبر أجيال متعاقبة من البنائين، الذين طوروا أساليبهم من خلال الاستفادة من تجاربهم السابقة.
وأضاف أن الدراسة كشفت ما يشبه "تحفة هندسية تطبيقية" ظلت قائمة أمام العالم لآلاف السنين دون أن تفهم أسرارها بالكامل.

من جهته، يقول محمد الجبري، الباحث في المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية والمؤلف الرئيسي للدراسة: إن المباني الأثرية المشيدة بكتل حجرية ضخمة ومتشابكة كانت أكثر قدرة على مقاومة الزلازل مقارنة بالمنشآت التي بنيت في عصور لاحقة، ويتميز الهرم الأكبر بعدد من الخصائص الهندسية، ومنها قاعدته العريضة التي يتجاوز طولها 755 قدما، وتماثله الهندسي الدقيق، واعتماده على أساس صخري متين، وهي عوامل عززت استقراره الإنشائي.
تجانس الترددات الأساسية داخل مختلف أجزاء الهرم
وفي تصريحات لـ"ناشيونال جيوجرافيك"، يقول أستاذ الجيوفيزياء بجامعة السويس، وغير المشارك في الدراسة أحمد الدسوقي: إن القياسات الخاصة بالهرم الأكبر أظهرت تجانسا ملحوظا في الترددات الأساسية داخل مختلف أجزاء الهرم، وهو ما يعكس نظاما إنشائيا بالغ الاستقرار، خاصة بالنظر إلى عمر المبنى وفترة تشييده.
وبحسب الدراسة، تؤدي الغرف العلوية الواقعة فوق غرفة الملك دورا مهما في تخفيف الاهتزازات الزلزالية، إذ تعمل على خفض الترددات الواصلة إلى الغرفة، بما يساعد على حمايتها وتقليل احتمالات تعرضها لأضرار أثناء الزلازل.
ويقول مصطفى: إن النتائج تؤكد أن البنائين المصريين القدماء طوروا، عبر أجيال متعاقبة، تقنيات بناء متقدمة استندت إلى الملاحظة الدقيقة والتطوير المستمر، وهذه الإنجازات لا تزال مبهرة حتى عند فحصها بأحدث الأدوات العلمية الحديثة.