فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

العنف المتراكم.. كيف يصنع المجتمع قنابله النفسية؟

السؤال الذي نطرحه يلامس جانبًا مهمًا في الطب النفسي الجنائي، لكنه يحتاج إلى قدر من التحفظ العلمي؛ لأن أي تحليل لشخص بعينه، خاصة في قضية جنائية لم تكتمل كل تفاصيلها القضائية والطبية، يظل مجرد فرضيات وليس تشخيصًا. 

فلا يجوز الجزم بأن سبب الجريمة هو مرض نفسي أو صدمة أو اضطراب معين دون فحص مباشر واطلاع على ملفها النفسي والطب الشرعي.. ومع ذلك، يمكن تناول القضية من منظور علم النفس بصورة عامة دون التعرض لأشخاص بعينهم.

عندما يتحول الإحباط إلى عنف 

يعرف علم النفس ما يسمى بـ متصل الإحباط -الغضب- العدوان (Frustration-Anger-Aggression Continuum).. فعندما يتعرض الإنسان لسلسلة طويلة من الإحباطات والخسائر دون أن يجد متنفسًا صحيًا لها، تتراكم داخله مشاعر: الظلم والقهر والإهانة والفشل واليأس.

 

وفي أغلب الناس تتحول هذه الطاقة إلى اكتئاب أو انسحاب أو أمراض نفسجسمية، بينما عند قلة من الناس -خاصة إذا اجتمعت عوامل شخصية وعصبية واجتماعية- قد تتحول إلى انفجار عدواني شديد.
لكن من المهم التأكيد أن معظم الأشخاص الذين يمرون بصدمات شديدة لا يرتكبون جرائم قتل، لذلك فالصدمات وحدها لا تفسر الجريمة.

هل يمكن أن تكون الصدمات المتعددة قد دفعتها إلى الحافة؟

إذا صحت الروايات المتداولة عن: طلاقين متتاليين، الحرمان من رؤية الأبناء، وفاة ابنتها بخطأ طبي وعجزها عن أخذ حقها، الشعور بعدم العدالة، الصراع المزمن مع والدتها، محاولات انتحار سابقة.
فهذه كلها تمثل ما يسميه علماء النفس الضغط التراكمي (Cumulative Stress).


فالإنسان قد يحتمل أزمة واحدة، وربما اثنتين، لكن تتابع الصدمات عبر سنوات يستهلك قدرته على التكيف، حتى يصبح أقل قدرة على ضبط الانفعالات. ومع ذلك، فإن وجود هذه العوامل لا يجعل ارتكاب الجريمة نتيجة حتمية.

 

لماذا يكون الأقربون هم الضحية؟

كثير من جرائم القتل الأسرية لا تكون بسبب الحدث الأخير وحده، فالحدث الأخير قد يكون مجرد الشرارة التي أشعلت وقودًا تراكم عبر سنوات، ولهذا يقال في الطب النفسي: “آخر كلمة ليست سبب الجريمة، وإنما آخر قطرة أفاضت الكأس”.. فإذا كانت العلاقة بين الأم والابنة -كما يُتداول- اتسمت بالنقد المستمر أو التحقير أو استدعاء إخفاقات الماضي، فقد يكون ذلك مثّل الضاغط الأخير فوق جبل من المعاناة النفسية.

ماذا تعني محاولات الانتحار السابقة؟

إذا ثبت وجود محاولات انتحار سابقة، فإنها قد تشير إلى أحد أمور عدة، مثل: اكتئاب شديد، أو اضطراب في تنظيم الانفعالات، أو شعور مزمن باليأس، أو هشاشة في القدرة على تحمل الضغوط، ولا تعني بالضرورة وجود مرض ذهاني أو فقدان للعقل. 

بل إن بعض الأشخاص يبدون أمام الناس ناجحين ولامعين، بينما يعيشون داخليًا ألمًا نفسيًا عميقًا، وهذا ما يسمى أحيانًا: الناجح خارجيا والمنهار داخليا (The Successful but Suffering Person).

لكنها محامية… ألم تكن تعلم أن الجريمة ستنكشف؟

هذا سؤال مهم... العنف الشديد قد يغير طريقة عمل الدماغ مؤقتًا، فعند الوصول إلى حالة الغضب الجامح (Rage State) ينخفض تأثير القشرة الأمامية للمخ المسؤولة عن: التخطيط، والحسابات، وتقدير العواقب. بينما يهيمن الجهاز الانفعالي، وخاصة اللوزة الدماغية (Amygdala). 

وفي تلك اللحظة يصبح الهدف النفسي هو: إنهاء مصدر الألم، وليس التفكير في العقوبة أو اكتشاف الجريمة. ولهذا نجد أحيانًا أشخاصًا متعلمين جدًا يرتكبون جرائم تبدو غير منطقية.

وما تفسير تقطيع الجثث السائد في جرائم عديدة ؟

ينبغي الحذر من التعميم، لأن تقطيع الجثة لا يعني دائمًا اضطرابًا نفسيًا، فقد يحدث لأسباب مختلفة، منها: محاولة إخفاء الجريمة، أو تسهيل نقل الجثة، أو التخلص من الأدلة، أو في بعض الحالات النادرة، نتيجة غضب بالغ ورغبة في محو الضحية أو تشويهها، وهو ما يصفه بعض علماء النفس بأنه استمرار للعدوان بعد الوفاة. ولا يمكن الجزم بأي دافع في قضية معينة دون أدلة الطب الشرعي والتحقيقات.

هل زادت هذه الجرائم في مصر؟

قد يبدو ذلك بسبب التغطية الإعلامية الواسعة ووسائل التواصل الاجتماعي، لكن من الناحية النفسية، فإن المجتمعات التي تعاني من: ضغوط اقتصادية، أو فقدان الأمل، أو التفكك الأسري، أو العزلة الاجتماعية، أو انتشار تعاطي المخدرات في بعض الفئات، أو ضعف خدمات الصحة النفسية، قد تشهد زيادة في السلوكيات العنيفة، وإن كانت هذه العوامل لا تؤدي وحدها إلى الجريمة.

هل الجريمة إزاحة لعنف تراكم عبر السنين؟

هذا تفسير له أساس في علم النفس، ويُعرف بآلية الإزاحة (Displacement)، حيث قد يوجَّه الغضب المكبوت نحو شخص قريب أو متاح بدلًا من مصدره الأصلي، لكن في جرائم القتل الأسرية، غالبًا لا تكون الضحية مجرد بديل عشوائي؛ بل تكون جزءًا من شبكة الصراع المزمن، بحيث يمتزج الغضب القديم بالحدث الراهن، فيحدث الانفجار.

خلاصة نفسية

يمكن النظر إلى مثل هذه الجرائم باعتبارها نتاج تفاعل معقد بين: استعدادات شخصية أو اضطرابات نفسية محتملة، وتاريخ طويل من الصدمات والإحباطات، وضغوط اجتماعية وأسرية مزمنة، وضعف في مهارات تنظيم الانفعال، ثم  حدث أخير فجّر الغضب المتراكم.


لكن يبقى من الضروري التأكيد أن هذا إطار تفسيري عام، وليس حكمًا على هذه القضية بعينها أو على المتهمة، لأن تحديد الدوافع والمسؤلية النفسية والجنائية يتطلب تقييمًا إكلينيكيًا وقضائيًا متخصصًا.


ومن منظور مجتمعي، فإن هذه الحوادث تذكرنا بأهمية عدم الاكتفاء بالنظر إلى النجاح المهني أو المكانة الاجتماعية بوصفهما دليلًا على الصحة النفسية؛ فخلف المظاهر قد تختبئ معاناة عميقة. كما تؤكد أهمية التدخل المبكر عند ظهور مؤشرات مثل محاولات الانتحار، والاكتئاب المزمن، والعلاقات الأسرية شديدة الصراع، لأنها قد تكون إنذارًا يستدعي العلاج والدعم قبل أن تصل الأزمة إلى نقطة اللاعودة.