فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

السقا ليس حمارا وحشيا!

بينما أفكر في كتابة مقال عن علاقة الجيل الحالي من الفنانين بالثقافة، قررت أن اتصفح "انستجرام"، فصادفني فيديو تبثه منصة يوليو للقاء مع الممثل أحمد السقا (ستعرف بعد قليل لماذا لم أصفه بالفنان)، وهو يطلب من مذيعة يوليو ألا تلقبه بـ"الفنان" لأن هذه الكلمة في مختار الصحاح، والمعجم العربي الوسيط، لها معنى سيء جدا، وأضاف السقا أن هذا الوصف يطلق على الحمار الوحشي!
 

وحقيقة الأمر أن ثقة السقا أثناء الحديث، جعلتني أشك في معلوماتي، خاصة أن دروب اللغة العربية واسعة، ومدلولات الكلمات فيها قد لا تخطر على بالنا، وحتى أحسم الشك باليقين، قررت البحث في نفس المعاجم التي ذكرها السقا بالتحديد ووجدت أنه:
 

أولا:  مختار الصحاح: الأفانين هي الأساليب، وأجناس الكلام وطرقه، ويقال رجل متفنن: أي ذو فنون، وقد ركز مختار الصحاح على الجذر (ف ن ن) بمعنى التنوع والتشعب، أما لفظ  الفنان بمعنى الشخص المحترف للفن فهو تطور لاحق وحديث لهذا الجذر اللغوي.


ثانيا: المعجم الوسيط لأنه الأحدث من مختار الصحاح عرف الفنان بأنه صاحب الموهبة الحاذق في مهنته، وأضافت بعض المعاجم معنى طريفا للفنان أنه يطلق على الحمار الوحشي (المتفنن) في العدو، في مسلك مشابه لما نفعله حاليا من إطلاق هذا اللقب على أي شخص ماهر في مهنته، حتى لو كان لصا، فقد نقول مثلا: فلان فنان في فتح الخزائن الحديدية، وهكذا!


وبعد جولة من البحث واستشارة نماذج الذكاء الاصطناعي، تأكدت من  خطأ تصور السقا الذي أعلنه بكل ثقة، وكل ما في الأمر أن الرجل يحاول الظهور بمظهر الرجل المثقف، العالم بدقائق الأمور وخبايا اللغة، وهو ما يفتح المجال للنقاش حول علاقة الفنانين من جيل السقا والجيل التالي لهم بالقراءة.. 

 

لنكتشف -مع الأسف- أن هذه العلاقة لا يمكن أن ترقى لمستوى اهتمام الأجيال الأكبر من الفنانين بالقراءة وعلاقتهم بالكتب، حكى لي صديق كان مقربا من الفنان نور الشريف، أنه لم يزر نور في مكتبه إلا ووجد في كل زيارة، على مكتب الفنان كتابا يظهر منه (بوك مارك)، يحدد الصفحة التي توقف عندها.. 

وقال صديقي بلال فضل الذي دامت علاقته القوية بالفنان عادل إمام لعدة سنوات، أن الزعيم -رغم أنه أكثر أبناء جيله تقديما لشخصية البطل الشعبي- كان بجانب سريره باستمرار كتابا يطالعه قبل نومه يوميا، وغني عن القول أن نشير إلى الفنان محمود ياسين باعتباره صاحب ثقافة رفيعة، وغيرهم من أبناء هذا الجيل.


لكن جرت في النهر مياها كثيرة، وتحول اهتمام أجيال الفنانين الأحدث من الكتاب والقراءة والثقافة، باعتبارهم أسلحة الفنان الحقيقة في أداء مهنته، وحسن اختيار أدواره والموضوعات التي يقدمها لجمهوره، وحل محلها الاهتمام بصالات الألعاب الرياضية (الجيم)، بعد أن أصبح النجم منهم يستهوي الجمهور بعضلاته ومقدار عرض صدره.. 

وأصبحوا جميعا -حتى بعض المطربين العاطفيين، يضعون على بوسترات أعمالهم صورهم مكشوفة الصدر، ليتأكد الجمهور من عظمة اللياقة البدنية لمطربهم العاطفي.


في النهاية أستطيع أن أطمئن الفنان أحمد السقا، إلى حقيقتين هامتين:
الأولى: أن الفنان ليست أسما من أسماء الحمار الوحشي، بل هي صفة تُطلق عليه عندما يتفنن في الجري ويكون ماهرا فيه، ومن ثم فأحمد السقا -رغم أنف المعاجم- فنانا بارعا، وليس حمارا وحشيا!

الثانية: أن جمهور السقا لا ينتظر منه الدخول في مناظرات لغوية، ولا اكتشاف معان غير مطروقة لبعض الكلمات العربية المتداولة، بل ينتظر منه مزيدا من الاهتمام بالرياضة، والحفاظ على جسد متماسك وعضلات قوية تمكنه من أداء مشاهد الأكشن الصعبة دون اللجوء إلى دوبلير، كما تعودوا منه!