محطات تاريخية (الحلقة الأولى)
انتقل الرسول الأعظم (صلى الله عليه وسلم) إلى الرفيق الأعلى، وترك خلفه رجالًا أفذاذًا قادوا جموع المسلمين بعده وفق ما خطه لهم من منهج قويم، لم يترك فيه مجالًا لغير روح الإسلام التي سرت في عقولهم، وفي نفوسهم مسرى الدم في العروق.
فأتم لهم الدين الذى ارتضاه رب العالمين، وبلَّغهم البلاغ الكامل الذي لا نقصان فيه، وعلَّمهم الشريعة الغراء التي صلحت بها أمور دينهم ودنياهم، وترك لهم قواعد رصينة تقيهم الشطط وعثرات الطريق، فاتسعت الأرض من تحت أقدامهم، ودانت لهم الدنيا، فإذا بهم يتجاوزون سور الجزيرة العربية، بعد أن تحطم هذا السور جراء المد الإسلامى الجارف، بيد أنهم لم يتجاوزوه، إلا بعد أن دخلت القبائل العربية في دين الله أفواجا.
رحل الرسول (صلى الله عليه وسلم) بعد أن ضرب وكر الأفاعي «اليهود» بيده الشريفة ضربة قاصمة، فكان حدثًا عظيمًا له ما بعده، حين داهم صلوت ربي وسلامه عليه خيبر «وكر الأفاعي اليهود» في العام السابع للهجرة، وضرب حصارًا عليها، فراحت حصون اليهود تتساقط، بعدما رأوا بأس المتمترسين خلف النبي الهادي (صلى الله عليه وسلم)، ولم يكن سوى الاستسلام والرضوخ.
ورأى يهود «فدك» ما جرى ليهود خيبر، فصالحوا الرسول على نصف ثمارهم وأرضهم، ولم يستوعب يهود «وادي القرى، وتيماء» إنكسار سادات اليهود أمام أعينهم، حاولوا عبثًا إيقاف عجلة التاريخ، ولكن أنَّى لهم ذلك، باءوا بفشلٍ ذريع، وانكسرت شوكة اليهود من جزيرة العرب، اللهم إلا بقايا ممن وترتهم الهزائم المتلاحقة، فعزموا التربص بهنات ضعف المسلمين كلما واتت الفرصة.
وليس أدل على ذلك ما فعلته المرأة اليهودية التي تُدعى «زينب بنت الحارث بن سلام» حين دست السم في شاة مشوية قدمتها للرسول (صلى الله عليه وسلم)، وقد نجاه الله من غدرها، حين أوحى إليه (صلى الله عليه وسلم) أن الشاة مسمومة، فلاك النبي مضغته الأولى من اللحم، وحذَّر أصحابه من أكلها ممن كانوا برفقته في الطعام.
بيد أنها حوادث فردية، من أُناس وترتهم هزيمة قومهم من اليهود، بعدما زال سلطانهم، ومع ذلك فقد تنبه الرسول صلوات ربي وسلامه عليه لخطورتها، فمنذ مطلع -العام السابع للهجرة- بدأت حركة الوفود، والكتب تنطلق من الجزيرة العربية إلى خارجها، وفود المسلمين حاملة كتب الرسول لملوك وأمراء الآفاق -بغية نشر الإسلام إلى أبعد نقطة يمكن للرسول (صلى الله عليه وسلم) الوصول إليها-.
ولم يغب عن بال الرسول (صلى الله عليه وسلم) خطورة بقاء اليهود خلف هذه الوفود، فذاك وضع لا تأمن فيه الدعوة ظهرها، وصارت بقايا اليهود في الجزيرة تؤرق الرسول، بعد أن خرجت أرسالًا منهم إلى الشام وفارس شمالًا، وإلى اليمن جنوبًا، بعد تلك الضربات التي كالها لهم الإسلام، تؤرق الرسول كلما غالبه الأمل في تمدد الإسلام إلى الخارج، وقد رُوي عنه (صلى الله عليه وسلم) «لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب، حتى لا أدع فيها إلا مسلمًا »، وروي عنه أيضًا «لا يبقى في جزيرة العرب دينان».
وفي عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، امتد الإسلام، وتجاوز أرض خيبر، في طريقه إلى فارس والروم، وأصبح يهود خيبر في ظهر المسلمين، فخاف عمر خطرهم، وخشي أن يضربوا المسلمين من الخلف، كما فعلوا في السابق، فقدم لهم العروض السخية، ودفع أصحاب رسول الله ممن كان معهم من مغانم الغزوات ما يدخرونه، دفعهم لشراء الأراضي من اليهود، وأغروهم بالمال حتى على ما يملكون من متاع..
وإختار عمر وقتًا مناسبًا، فيه اليهود يريدون الخلاص والخروج من وسط المسلمين، بعد أن بات في يقينهم اليأس من أي محاولة لضرب هذا الدين، وليس أمامهم إلا الابتعاد عنه، فقد صار الإسلام خطرًا على بقائهم.
وهؤلاء اليهود هم من أصروا على البقاء ولم يغادروا، كما فعلت جموع منهم حين آثروا الاحتماء بممالك الأرض القوية -فارس، والروم- واستطاع عمر رضي الله عنه بهذه الحيلة التدريجية إخراج اليهود أرسالًا، وعلى فترات من جزيرة العرب كلها، ولم يبق منهم إلا ما لا تلحظه الأعين، ويغفله ولا يلمحه التاريخ.. وإلى الحلقة القادمة من سلسلة ( محطات تاريخية).