فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

هوامش على ما قبل مؤتمر ديسمبر 2026 للإعلام

إن الحديث عن تطوير منظومة الإعلام القومي محفوف بالكثير من الإشكاليات العميقة والمتجذرة داخل المنظومة ذاتها، بالإضافة إلى إشكاليات الفضاء التشريعي والاقتصادي والسياسي الحاكم لحركة هذه المنظومة، وسنكتفي في هذا المقال بإشكاليات المنظومة ذاتها من الداخل، رغم وعورة النهج، لأن بعض هذه الإشكاليات تاريخية ترتبط بخصوصية نشأة الصحافة منذ نهايات القرن التاسع عشر.

وتباين أطوار نموها وبالتالي الوظائف المنوط بأدائها النظام الصحفي في أطواره التاريخية المختلفة، مما يمنح دراستها وتناولها خصوصية تتطلب الحرص والبعد عن القوالب الجاهزة لمنطلقات الصحافة الغربية.

  
بطء التعاطي مع بنية الإعلام الرقمي

لم تخل رؤية المثقفين العرب من أفة ثنائية الأضداد التي يرغم بها العقل العربي والتي أشار إليها المفكر الكبير محمد عابد الجابري، فكان تموضع الصحافة المطبوعة في مواجهة الصحافة الإلكترونية وكأن المعادلة صفرية هذا أو ذاك، ولم ندرك مبكرا خصوصية إعلام الشبكة العنكبوتية باعتباره يجمع كل الوسائط المكتوبة والمسموعة والمرئية وأيضا الافتراضية من خلال وسيط واحد قادر علي ابتلاع كافة الوسائل الاعلامية السابقة..

وتأخر الدرس الأكاديمي العربي في إدراك تأثير ذلك الوسيط الجديد الجامع المانع لكل الوسائل السابقة علي تطور منظومة الإعلام، ربما يرجع ذلك إلي الخصوصية التاريخية للصحافة المصرية التي شكلت في الوجدان الشعبي منارة فكرية مساندة للتحرر الوطني والثقافي والفكري.. 

فكان التباطؤ في التعامل مع الوسيلة الإعلامية، والألتزام بصيغة المراقب المستريب، الرافض لرؤية التطور الواقعي في الإعلام علي مستوي العالم، علي الرغم مما يحمله من إمكانات مادية هي الأنسب لظروف مجتمعاتنا مثل خفض تكاليف الإنتاج، سرعة وسهولة الانتشار.. 

 

ومن ثم شاب التعامل ضبابية الرؤية ليس باعتباره التطور الطبيعي لصناعة الميديا، وأقتصر التعامل مع الوسيط الرقمي باعتباره حلية للزينة، من خلال الاستعانة ببعض الأشكال الرقمية باستهانة لا تليق بفلسفة هذا الإعلام الرقمي وبالتطور الهائل الحادث في علوم وبرامج التدريب على الإنتاج الإعلامي، ومن ثم فإن تلك الرؤي المبتورة أفرزت الكثير من المثالب التي شكلت منحدرا حادا وعجزا ضخما حال دون القيام بواجباتها مع نزيف خسارة يهدد وجودها.

 
تدوير كفاءات التحرير الصحفي الورقي 

مما ترتب عليه تراكم لخبرات التحرير الورقي على حساب حداثة التجربة الرقمية. ومن ثم تغليب رؤى وتجارب تمتلك خبرات وأدوات وأساليب معتبرة ولكنها لم تستطع  تعظيم الأستفاده من المداخيل المادية التحول الرقمي، لا زال الهيكل المالي والإداري النموذج الورقي هو الحاكم للأداء، تأكيدا لتصورنا المطروح في تعامل تلك المؤسسات مع الاعلام الرقمي كحليى إذ لازال يتم النظر للاعلانات والتوزيع كمصادر للدخل دون الاستيعاب للتطورالذي حدث في منظومة الإعلام.. 

حيث أصبح بيع المحتوى عالميا هو مصدر الدخل رقم واحد للمؤسسة الإعلامية، يليه الاشتراكات وتنظيم الفاعليات، ثم تأتي الإعلانات في مرتبة متأخرة. على عكس سيطرة نموذج الإعلانات والتوزيع كمصادر للدخل في الصحافة التقليدية، وهو لم تضعه إدارة الاعلام في الأعتبار لنجاح تطوير الاعلام.


سيادة ثقافة الحفاظ على الوضع القائم ( مقاومة التغيير)

وذلك على الرغم من ارتفاع تكاليف الورق والطباعة جدًا بشكل أصبح يمثل تحديًا ماليًا لمنتجي ولقراء المطبوعات الورقية، وذلك بالإصرار على الإصدارات الورقية باعتبارها ميزة دون الأفادة من العلامة التجارية (البراند) للمنتج الورقي.. 

والنظر إلي التحول الرقمي باعتباره تنويع للمنتج وتطويرا له، والأستفادة من القيمة الثقافية والتاريخية والتجارية للعلامة التجارية للبناء عليها بدلا من إلغاءها أو دمجها أو إعادة انتاجها بمنهج يجافي الرؤية الاعلامية والتجارية أيضا لاستمرارها وفقًا لمعايير السوق الإعلامي. 

 

بمعني خدمة إعلامية ينبغي أن يكون عليها طلب إما في  حالة الضروره  الثقافية أو السياسية ينبغي أن يتم ذلك وفقًا لأعلى معايير الشفافية ومراجعة مؤشرات الأداء. لأنه في تلك الحالة يتحمل تكلفة تلك الخدمة الجهات الرسمية من وعاء الضرائب أو من وعاء الدعم المخصص للجماهير العريضة.


التدريب والكوادر الشابة

  ولكي تنجح المؤسسات الاعلامية لابد من إنفاق مرتفع على التدريب، والاستعانة بالكوادر الشابة الأكثر قدرة على التعامل مع التكنولوجيا الحديثة. وهو ما تأخرت فيه جدًا المؤسسات القومية تحديدا إذ أن متوسط أعمار العاملين تعدى 45 عامًا إن لم يكن 50 عامًا.
 

لابد من جيل جديد قادر على التعامل مع التكنولوجيا الرقمية إعلاميًا. بمعنى أنه مؤهل أساسًا لوضع الرسالة الإعلامية في شكلها الأنسب: سواء كنص مكتوب، أو فيديو، أو راديو كما يقول أساتذة وخبراء الإعلام الرقمي (فكر رقميا)، فالمهارة الرقمية تتعدي صياغة النص إلي الشكل الأمثل للمنتج، هل هو النص المكتوب أو الفيديو أو الإذاعي أو الرسوم البيانية، مما يعلي من إنتشار الرسالة وتعظيم تأثيرها.


تطوير مؤشرات الأداء الغربية لمنظومة الاعلام

 من المهم أيضًا العمل على كسر مؤشرات أداء الإعلام الرقمي الغربي التي تُعلي من جذب الانتباه، والترند مما يتطلب مهارة في إعداد الرسالة والأفادة من التطور التكنولوجي في تنويع الشكل، وتثمين المحتوي بتنوع الرؤى وتعدد زوايا المعالجة مما يتطلب الإعداد المهني والرقمي الجيد ورفع الوعي السياسي والوطني والثقافي للممارسين.

  
والأهم الرقابة علي الأداء وتقويمه من خلال مؤسسات المجتمع المدني بعيدا عن الدولة وأجهزتها التنفيذية، من خلال المؤسسات الدينية والأحزاب والنقابات والجامعات والمراكز البحثية، وإعداد مدونات تلتزم بمبادئ الدستور والشرعية الدينية والخصوصية الثقافية، لا تلزم فقط المؤسسات الاعلامية بل كل من يتصدي لقضايا الرأي العام.

  
الاستثمار في التراث الصحفي 

الأفادة من التراث الصحفي الضخم في أرشيف الصحف القومية الكبرى سواء المقالات أو الصور وتحويلها إلي منتجات رقمية يحتاجها السوق الاعلامي الرقمي، مما يحقق مداخيل ضخمة للمؤسسات الصحفية، بالأضافة إلي رفع  قيمة الرسائل الصحفية لتلك المؤسسات، من خلال تقنية الرابط النشط الذي يحقق انفراد وعمق في التناول، مع العمل الجاد نحو تقنين ذلك وتوافقه مع قوانين الملكية الفكرية.