تحت السن.. أزمة الكتابة من الخارج!
وأنا أتابع حلقات مسلسل تحت السن (Underage)،عدت بذاكراتي لواحد من أشهر أفلام بداية الألفية هو فيلم أوقات فراغ (2006)، تأليف عمر جمال ومحمود مقبل، وإخراج محمد مصطفى، وبطولة مجموعة من الشباب أصبحوا نجوما فيما بعد، منهم أحمد حاتم، عمرو عابد، وكريم قاسم، أحمد حداد، وراندا البحيري، ومن إنتاج المنتج العظيم حسين القلا، صاحب النصيب الأكبر من أعظم وأجمل أفلام الثمانينيات.
ومن الطبيعي أن تستدعي الذاكرة أوقات فراغ عند مشاهدة مسلسل تحت السن، لأن كلا العملين يدور في عالم واحد، هو مشاكل المراهقين، خاصة في مرحلة الدراسة الثانوية والجامعية، لكن ما فاجئني، وتوقفت أمامه هو أن تكون المقارنة بين الفيلم والمسلسل لصالح الفيلم، رغم أن بين العملين فارقا زمنيا يزيد على عشرين عاما..
وكان من المفترض أن يصب ذلك لمصلحة المسلسل، بالنظر إلى التقدم التكنولوجي الكبير الذي أضاف كثيرا لحرفية صناعة السينما والأعمال الدرامية، فلماذا تكون المقارنة إذن لصالح الفيلم؟
في اعتقادي أن السر يكمن في الكتابة، ومن المعروف أن أوقات فراغ، كتبه الشابان عمر جمال ومحمود مقبل، وكان عمرهما في ذلك الوقت بين 17 و20 عاما، حيث توجها للمنتج حسين القلا، يحملان قصة الفيلم مكتوبة في كشكول مدرسي، بما يعني أن المكتوب هو جزء من حياتهم ويوميات أصدقائهم في الواقع، ولنا أن نتخيل كيف سيكون مؤشر الصدق والواقعية في عمل يكتبه أصحابه عن حياتهم اليومية.
ولأن فيلم أوقات فراغ، اعتمد على وجوه جديدة تماما، بعد أن خطط المنتج للاستعانة بأبناء الفنانين (الشباب في ذلك الوقت)، محمد إمام وهيثم أحمد زكي وأحمد الفيشاوي، لكنهم اعتذروا فيما بعد فقرر القلا تنظيم مسابقة للوجوه الجديدة اختار من خلالها أبطال الفيلم بالفعل..
وبعد اعتذار المخرج هاني خليفة، أسند إخراج الفيلم لمخرج يقدم تجربته الأولى أيضا، هو محمد مصطفى، لذلك كانت كل التوقعات تؤكد فشلا ذريعا للفيلم، لكن خابت تلك التوقعات، ونجح الفيلم في العرض السينمائي، ثم التلفزيوني، ومازالت منصات العرض تقدمه لجمهورها حتى الآن، بما يؤكد أن الكتابة وصدق التناول وعمقه، كانت المفتاح الوحيد لهذا النجاح!
وعلى العكس من ذلك يأتي مسلسل تحت السن، الذي تشعر وأنت تتابع حلقاته أن الكتابة تأتي من خارج أبطاله، وليس من داخل أعماقهم، فقد ركز فريق الكتابة الذي يشرف عليه أمين جمال، على صناعة حبكة تحافظ على حالة تشويق مستمرة، وتضمن تعلق المشاهد بالقصة، وتحفزه لاستكمال المشاهدة حتى لحظة كشف حقيقة اختفاء الفتاة (هنا)..
وفي غمرة فتح خيوط جديدة لكل حلقة توجه شكوك المشاهد نحن إحدي الشخصيات، استكمالا لحالة صناعة (لغز)، نسى السيناريو أو تناسى أن الأهم من ذلك بناء درامي عميق لشخصيات المسلسل، والحرص على الاختلاف والتباين بين شخصيات المراهقين، بحيث يكون لكل منهما أزمة مختلفة عن الآخر..
فجاءت قصص الأبطال وكأنها نسخة واحدة تتكرر مع كل منهم، فالتفسير الوحيد الذي قدمه المسلسل لأزمات أبطاله هو التفكك الأسرى، أو اختلاف طريقة التفكير بينهم وبين آبائهم وأمهاتهم!
وهنا يكمن عيب الكتابة من الخارج، فبينما كان كتاب أوقات فراغ يدونون ما بداخلهم، جاء كتاب (تحت السن) ليكتبوا عن أشخاص لا يعرفونهم إلا من خلال فيديوهات السوشيال ميديا التي تسخر من شباب وفتيات المناطق الراقية وتطلق عليهم (أبناء إيجبت)!
ورغم ذلك يحسب للمسلسل أنه قدم مجموعة من الوجوه الجديدة، يبدو أدائهم مبشرا بأنهم سيصبحوا نجوما خلال السنوات المقبلة، وأخص منهم ترنيم هاني (ملك) التي اعتبرها أبرز تلك الوجوه صدقا في الأداء، وحساسية في الانفعالات.
لا أريد أن أكون قاسيا في حكمي، لكن الحقيقة أن مسلسل تحت السن، لا يقدم تناولا جديدا وعميقا لأزمات المراهقين، كما كان متوقعا، بل هو مسلسل بوليسي، سوف تجد نفسك مدفوعا بحكم الفضول لاستكماله حتى لحظة كشف اللغز!