عبادة مهجورة، المكوث في المسجد فضائله وأوقاته
المكث في المسجد، عبادة يغفل عنها كثير من الناس، وهي طاعة تقود إلى طاعات، ويحصل بها كثير من الأجور والحسنات ويكفي المساجد فضلًا وشرفًا أنها بيوت الله تعالى في أرضه، وأنها أحب البقاع إلى الله تعالى؛ كما جاء في الحديث الصحيح: (أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها)؛ [رواه مسلم].
والمساجد هي بيت كل تقي؛ كما في الحديث الصحيح: ((المسجد بيت كل تقي، وتكفل الله لمن كان المسجد بيته بالروح والرحمة، والجواز على الصراط إلى رضوان الله)؛ [حسنه الألباني].
إن مجرد المكث في المسجد عبادة في ذاته، ولو لم يصاحبه عبادة أخرى من صلاة أو ذكر، أو قراءة قرآن، أو انتظار صلاة أخرى، وإذا كان لصاحب المكث في المسجد عبادات من صلاة وذكر، فيا فوز من فعل ذلك.
فضائل المكث في المسجد
قال العلماء أن من تلك الفضائل: أن الملائكة تدعو له، ودعاء الملائكة مستجاب؛ فإنهم: ﴿ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ [التحريم: 6].
وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه، ما لم يحدث: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، لا يزال أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه، لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة))؛ [متفق عليه].
و قال ابن بطال رحمه الله تعالى: فمن كان كثير الذنوب، وأراد أن يحطها الله عنه بغير تعب، فليغتنم ملازمة مكان مصلاه بعد الصلاة؛ ليستكثر من دعاء الملائكة واستغفارهم له، فهو مرجو إجابته؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى ﴾ [الأنبياء: 28].
وهذا الفضل لمن جلس ولم يُحدث ولم يؤذِ بغيبة ونحوها، سواء انشغل بذكر أو لا، وفضل الله واسع، وكرمه عظيم، فيرجى له هذا الثواب إن شاء الله تعالى، وإن انشغل بالذكر أو بقراءة القرآن، فهذا أكمل وأفضل.
ومن فضائل المكث في المسجد أيضا أنه معدود في الرباط المذكور في قول الله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: 200].
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة؛ فذلكم الرباط))؛ [رواه مسلم].
ومن فضائل المكث في المسجد: أنه طارد للهموم والغموم والوساوس؛ فإن أكثر ما يصيب العبد منها من تسلط الشيطان عليه، فإذا جلس في المسجد وجد فيه راحة لا يجدها في غيره؛ إذ يكون متهيئًا لقراءة القرآن، ولصلاة النافلة، وللتطوع بأنواع الذكر، وكل ذلك مما يريح القلب، ويجلب الطمأنينة والسكينة؛ فإن الصلاة راحة المؤمن، وبالذكر يطمئن القلب: ﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد: 28]
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده))؛ [رواه مسلم].
ومن فضائل المكث في المسجد أنه مكفِّر للخطايا؛ كما في الحديث القدسي في اختصام الملأ، وفيه: ((فقال الله تعالى: يا محمد، قلت: لبيك رب، قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفارات، قال: ما هن؟ قلت: مشي الأقدام إلى الجماعات، والجلوس في المساجد بعد الصلوات))؛ [رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح].
ومن فضائل المكث في المسجد أن فيه تأسيًا بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان يمكث في المسجد بعد الفجر؛ كما في حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى الفجر، جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس حسنًاء).
الأوقات المفضلة للمكث في المسجد
ومن الأوقات الفاضلة للمكث في المسجد: بعد صلاة العصر؛ فقد ورد في فضل الجلوس في المسجد بعد صلاة العصر نصوص؛ منها حديث أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لأن أقعد أذكر الله وأكبره، وأحمده وأسبحه وأهلله، حتى تطلع الشمس، أحب إليَّ من أن أعتق رقبتين أو أكثر من ولد إسماعيل، ومن بعد العصر حتى تغرب الشمس أحب إليَّ من أن أعتق أربع رقاب من ولد إسماعيل))؛ [رواه أحمد، وحسنه الألباني]
ويدخل في هذا الوقت ساعة الجمعة التي يستجاب الدعاء فيها، وقد ورد أنها آخر ساعة من العصر، وكان جمع من السلف ينقطعون عصر الجمعة للذكر والدعاء؛ وكان سعيد بن جبير رحمه الله تعالى إذا صلى العصر لم يكلم أحدًا حتى تغرب الشمس، وعن سليمان التيمي رحمه الله قال: "كان طاووس إذا صلى العصر يوم الجمعة، استقبل القبلة ولم يكلم أحدًا حتى تغرب الشمس".
ومن الأوقات المفضلة أيضا المكث في المسجد بعد صلاة المغرب؛ فعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال: ((صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المغرب، فرجع من رجع وعقب من عقب، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم مسرعًا قد حفزه النفس، وقد حسر عن ركبتيه؛ فقال: أبشروا، هذا ربكم قد فتح بابًا من أبواب السماء، يباهي بكم الملائكة يقول: انظروا إلى عبادي قد قضوا فريضةً، وهم ينتظرون أخرى))؛ [رواه أحمد، وابن ماجه، وصححه الألباني].
ومن الأوقات المفضلة أيضا المكث في المسجد بعد صلاة الفجر؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من صلى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، كانت له كأجر حجة وعمرة تامة، تامة، تامة))؛ [أخرجه الترمذي وصححه الألباني].