جنون الترند بين لؤة القانون ولؤة ياسمين عز
لم يعد الفضاء الإلكتروني مجرد ساحة للتعبير عن الرأي أو تداول الأخبار، بل تحول إلى سيرك مفتوح يحكمه هوس الانتشار السريع حيث سقط العقل الجمعي في فخ الترند المجنون، وبينما كنا نظن أن شاشات التلفزيون قد بلغت ذروة العبث مع "لؤة" ياسمين عز وافتكاساتها اليومية حول دلال المرأة المبالغ فيه، خرجت علينا من ساحات المحاكم “لؤة القانون” بادعاء مثير للجدل بأنها تتعرض للاضطهاد المهني فقط لأنها جميلة ولا ترتدي الحجاب..
واقعتان لا تنفصلان عن تحول جذري يضرب عصب الإعلام المصري؛ حيث بات ما يعرف بـ اقتصاد الانتباه، وهو المحرك الأساسي الذي يعيد تشكيل الرأي العام في الإعلام الحديث، ويحول الإثارة المفتعلة إلى وقود يومي لشبكات التواصل الاجتماعي.
لقد أدركت الإعلامية ياسمين عز مبكرًا قواعد اللعبة الجديدة، فقررت أن تتخلى عن الصورة التقليدية للعمل الإعلامي لصالح العرض المثير الجاذب للتفاعل اختلقت مصطلح "لؤة" كرمز للدلال، وباتت تخرج علينا يوميًا بما يمكن تسميته "افتكاسة اليوم"، مستهدفة تفجير الغضب والسخرية في آن واحد؛ فلا يهم المحتوى، المهم هو الوصول الى "الريتش"..
هي لا تبحث عن إقناع الجمهور أو تقديم رسالة تنويرية، بل تبحث عن التفاعل، فالغضب، في عرف خوارزميات المنصات الرقمية، هو العملة الأكثر رواجًا. تحولت "لؤة" ياسمين من مجرد كلمة عابرة إلى منهج عمل يعتمد على دغدغة الغرائز الاجتماعية وإثارة معارك وهمية بين الرجل والمرأة، ليصبح الاستفزاز هو أقصر الطرق لاحتلال الشاشة.
ولأن عدوى البحث عن الشهرة لا تعترف بحدود، انتقلت الظاهرة من استوديوهات البرامج الترفيهية إلى قاعات المحاكم، خرجت تصريحات منسوبة للمحامية لؤه خلف يمكن وصفها بالصادمة، زاعمة أن معاناتها واضطهادها يعودان فقط لأنها جميلة وغير محجبة، الأمر الذي نفته وفندته نقابة المحامين فرع سوهاج في بيان رسمي لها.
هنا، نحن أمام نقلة نوعية في الترند المجنون، حيث يتم استخدام سلاح المظلومية لاستدرار عطف الجمهور وإثارة جدل استقطابي حاد يمس قضايا حساسة، مثل الحجاب والحرية الشخصية والمظهر المهني، بغض النظر عن مخاطر ذلك على المجتمع..
لقد اختزلت "لؤة القانون" تعقيدات مهنة المحاماة العريقة في صراع سطحي يدور حول الشكل، مدركة أن هذا الخطاب هو الطريق المثالي لحصد ملايين المشاهدات في الفضاء الرقمي، وإحداث جدل يحقق الرواج المستهدف، وتحويل القضايا الجادة إلى مادة خام للاستهلاك السريع.
إن الربط بين الواقعتين يقودنا إلى تشريح الداء الحقيقي الذي أصاب جسد الإعلام المصري؛ وهو الخضوع المطلق لسطوة اقتصاد الانتباه، واللهاث وراء المشاهدات وزيارات المواقع، لقد أدركت غرف صناعة المحتوى أن العقل البشري ينجذب بالغريزة إلى الغريب والمستفز..
فتخلت بعض الشاشات والمواقع عن دورها الأصيل لصناعة الوعي، وتحولت إلى تابع لما تفرزه منصات التواصل، لتعمل الخوارزميات على تضخيم النماذج الاستفزازية وحصار المتلقي داخل فقاعات وهمية.
وتتضاعف الخطورة حين ندرك أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في صانعي هذه المفارقات ومعهم الإعلام المروج لها فحسب، بل في الجمهور الذي يتحول إلى شريك أساسي عبر التفاعل المستمر، سواء بالشجب أو المدح أو حتى السخرية..
إن الاستنكارعلى شبكات التواصل هو في حقيقته مكافأة مجانية لصانع المحتوى التافه؛ فالخوارزمية لا تفرق بين تعليق يمدح وآخر يذم، بل تراهما رصيدًا إضافيًا يرفع من قيمة صاحب الترند، لتتوارى القضايا الحقيقية خلف غبار معارك وهمية لا تسمن ولا تغني من جوع.
في النهاية، يظل الترند المجنون مرآة عاكسة لحالة الفراغ التي يعيشها المجتمع الرقمي تحت وطأة جنون الترند إن التصدي لظواهر مثل "لؤة ياسمين" والتوقف عن الترويج لأخرى مثل "لؤة القانون" وحماية الرأي العام من التسطيح، لا يكون بالدخول في حلبة النقاش التي رسموها لنا بعناية، بل بتجفيف منابع أهدافهم عبر التجاهل التام وكسر دائرة الترند المجنونة.
إن استعادة الإعلام المصري لهيبته ومكانته وجزء من دوره المفقود تتطلب شجاعة مهنية للتمرد على سطوة الترند والعودة إلى أصول المهنية القائمة على البحث عن الحقيقة، واحترام عقل الجمهور؛ حتى لا ننتظر كل صباح "لؤة" جديدة تقودنا إلى جنون افتراضي آخر!