فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

أحمس بطل التحرير.. موقعة أفاريس بالدلتا (الحلقة الثانية)

وبدأ اشتعال الثورة الأولى من عهد الملك الهكسوسي أبوبي الذي رأى أن حاكم طيبة سنكرع والد أحمس قد بلغ من القوة إلى الحد الذي أصبح فيه يشكل خطرا على الهكسوس، فأرسل إليه تهديدًا ووعيدًا ليدفعه إلى قتاله.. وقبل سنكرع التحدي، وخرج على رأس جيش لمحاربة الهكسوس، ونشبت معارك بين القوتين حامية الوطيس، سقط فيها سنكرع شهيدا.


وبعد وفاة الملك سنكرع عام 1585 ق.م خلفه ابنه كاموس بتشجيع من أمه أياح حوتب، التي تُعتبر هي روح الثورة على الهكسوس، فقد آزرت زوجها سنكرع ووقفت خلفه حتى استشهد في ساحة الوغى في حربه ضد الهكسوس.. 

وقد أراد الهكسوس لمَّا تولى كاموس الأبن الأكبر لسنكرع، أرادوا أن يضربوه من الخلف، فألبوا عليه حكام النوبة، وكانوا خاضعين لسلطانه، فاضطر كاموس أن يضع الحرب مع الشمال (الهكسوس) وأن يتجه إلى التمرد على حكمه في الجنوب.. فتغلب على النوبيين، وأخمد ثورتهم وأعادهم إلى الطاعة.

 

ثم عاد كاموس لاستئناف قتاله مع الهكسوس في الشمال، وفي جولة من جولات القتال لقي كاموس مصير أبيه، إذ سقط شهيدًا بعد خمس سنوات من حكمه عام 1580 ق.م، ثم إنتقل الحكم إلى أخيه الأصغر أحمس الأول الذي قامت والدته اياح حوتب بإعداده وتأهيله منذ صباه، وذلك بحثه على التدرب على القتال مع المحاربيين القدامى.. 

 

وفور تسلمه للحكم عام 1580 ق.م وكان عمره 19 سنة قام بعض من رجاله بالتقاط رسالة قد أتت من ملك الهكسوس أبوبي إلى ملك النوبة آتا يحثونه بالزحف على طيبة عاصمة المصريين.. فاستفز هذا الفعل البطل أحمس، وبدأ نضاله بشن العديد من الهجمات على معاقل الهكسوس فى أراضيهم بالدلتا.. 

حتى أتى أوان المعركة الكبرى والفاصلة، يوم قاد أحمس الجيوش، فى يوم من أيام عام 1580 ق.م واستخدم أحدث أسلحة عصره آنذاك -العجلات الحربية وراميات اللهب- وانضم إلى الجيش الكثير من شعب طيبة، وذهب إلى أفاريس “صان الحجر حاليا” عاصمة الهكسوس، وهزمهم هناك شر هزيمة، وسقطت الحصون الكبيرة لهم، الواحد تلو الآخر.

 

ولم يكتف أحمس بهذا النصر العظيم، بل أخذ فى ملاحقة الهكسوس وتعقبهم حتى مدينة شاروهين بفلسطين، وكانت من أعتى الحصون التى شيدوها أثناء إقامتهم فيها قبل قدومهم إلى مصر، فتحصنوا بأسوارها المنيعة، علها تقيهم هول ضربات أحمس الشديدة. 

 

وفتت الملك أحمس شملهم هناك حتى استسلموا، ولم تقم لهم قائمة بعد ذلك، وكان هذا الانتصار بمثابة بداية عصر جديد وهو عصر الدولة الحديثة.. ولم يظهر الهكسوس بعدها في التاريخ.. وصارت مصر بعد تلك الملحمة الخالدة إمبراطورية فتية قوية عظيمة، تمتد من أعالي نهر دجلة والفرات شمالا حتى الشلال الرابع جنوبا.. لتقول مصر قولتها الخالدة: أنا عصية على السقوط مهما حاول المتربصون فى الخارج، والمتآمرون من الداخل.

 

ومن تلك الملحمة العظيمة يتجلى لنا الدرس التاريخي.. إذ أن كان تغلغل الهكسوس في مصر كان عبر العمالة الوافدة من الآسياويين داخل المجتمع، ومن ثمَّ تكوينهم ما يشبه في الداخل المصري فكرة تتصادم مع الدولة المصرية العريقة، وأوضح تشبيه لهم هو ظاهرة التأسلم الماسوني بصنوفها المتعددة الشعارات.. 

حين تصل عبر الخداع ودعوات الضلال لتصبح مكون فكري وعقدي متصادم مع الدولة، بل ومنذر بشقاقها وتمزيقها، فحملة الهكوسوس هي ذات حملة جماعات التأسلم -الإخوان، والمتسلفة، والجهاد، والقاعدة وداعش وإلخ- والقضاء عليهم فى 30 من يونيو 2013 هو نفسه فعل أحمس بالقضاء على الهكسوس وتوحيد البلاد..

 

ولكأن درس أحمس يعاودنا اليوم فى شكل جديد.. ليبقى الدرس ثابتًا رغم طول الزمان وتبدله.. حيث يقول الدرس: إنجاز المعركة الداخلية وتوحد البلاد خلف العنوان الوطني، يحقق الاستقرار السياسى، ومن ثم التمدد فى الإقليم. 

وهو ما حدث فى معركة أحمس لمَّا طرد الهكسوس ووحد القطر المصري، وبسط نفوذه على كامل الأراضي المصرية، فهابته الإمبراطوريات الكبرى آنذاك، وسارعت بإرسال الوفود للتبادل التجارى والثقافى.. 

وهو ما حدث لمصر في عصرنا الحالي، حينما قضت على جماعة الإخوان المتأسلمين عملاء الخارج، الهادفين تمزيق مصر فى موجة الخريف العربي المدمرة، بثورتنا المجيدة فى الثلاثين من يونيه 2013، وما استتبع ذلك من تصفية لبؤر الإرهاب وبسط هيبة الدولة.. 

فكانت النتيجة أن سارعت دول العالم لتلبية نداء تبادل المصالح والاستثمار وتلاقي الثقافات.. إنها نتيجة معركة توحد مصر خلف العنوان الوطني واستقلالية قرارها الداخلي.. والاستقرار السياسي هو قاطرة الاقتصاد والتنمية.
المجد والخلود لمصر الحضارة والتاريخ.. العلياء والسؤدد لشهدائها الأبرار.. العز والفخار لشعبها الأبي.