نافذة على الوعي (17).. مدونة العمران النفسي لدى المتنبي
ما أشقَّها مهمة أن يأخذك الطموح بعيدا نحو الكتابة عن المتنبي مالئ الدنيا وشَاغِل الناس عبر ألفٍ وخمسة وستين عاما، بحمولة إبداعية غير معهودة بعالم الأدب والفكر في وَقْع التأثير وعجائب التثوير في تراسُل الحواس وأدوات الحس، ووسائل الإدراك حسيةً ومعنويةً ظاهرةً وباطنةً كما أَخْبرنا هو بذلك مُباهيًا بفرادة إبداعه مضمونا وتأثير، ولم يستطع أن ينازعه في ذلك أحد:
أَنَا الذي نَظَرَ الأَعْمَى إلى أَدَبِي.. وأَسْمَعَتْ كَلِمَاتِي مَنْ بِهِ صَمَمُ
فَلِكي ترقى معه إلى عوالمه المعراجية عليك أن تتمترس بثلاثٍ:
أولاها: تغوص في نهر الروح فتتحمَّم بعطر وتتنشف بنور
الثانية: تمتلك رشاقة قَلَم العقاد أو بلاغة ابن جِنيّ أو روعة أبي العلاء المعري الذي لخَّص تفرد المتنبي في عنونة كتابه عنه: (مُعْجز أحمد).
الثالثة: تلتحف بعباءة حارس هُوية العربية الأستاذ محمود شاكر أو شيخها المعاصر الدكتور سعد مصلوح، أو شاعرية الناقد الحبيب الدكتور أحمد إسماعيل.
رغم أن غايتنا ليست استكناه بلاغة المتنبي وجماليات بيانه وهو صائغ الحرف دُرًّا وناظم الكَلِم نَغْمًا ومبدع القصيد ألحانًا. لكنها مداخل حتمية إلى حدائق المتنبي ودروب قطف وروده وكؤوس الارتواء من رحيق أزهاره.
ولأن المتنبي لم يكن فحسب واحدا من أرفع ذوي المقامات في الأدب والشعر العربي من حيث الصناعة اللغوية والمقدرة الإمتاعية والبراعة التصويرية للعاطفة والطبيعة والوقائع التاريخية، فإن قراءته الواعية والمنصفة يجب أن تتجاوز أبعاد الأغراض الشعرية كالفخر والهجاء والمدح والحماسة والتشبيب، وأن تنفذ إلى جانب عبقرية إدراكه لما يمكن تسميته (مدونة العمران النفسي)..
وهي منظومة القوانين والوسائل التي تتحكم في توجيه النفس الإنسانية بما يحفظها من الانحراف أو العلل المهلكة من الأمراض والآفات التي تعوقها عن أداء وظيفتها في قيادة الإنسان إلى الصلاح والإصلاح والعمران الحضاري.
وقد اشتملت هذه المُدَوَّنة الشعرية إلى جانب القوانين والوسائل على تشخيصات لمكنونات النفس وقواها، ورصد لدوافعها وأشكال تناقضاتها وصراعاتها الداخلية، وتتبُّع لأمراضها كالجهل والحسد والحقد والكِبْر والهوى، وكذلك أدوية العلاج وطرق الاستشفاء والتعافي من تلك الأمراض النفسية.
وذلك ما يَصُكُّ صَكَّ التفوق والريادة للمتنبي إذا ما تمت المقارنة بينه وبين الروائي الروسي الكبير دوستويفيسكي الذي شُهِرَ ببراعته في التحليل النفسي، مما حدا بالفيلسوف الألماني نيتشه للقول بأن دوستويفيسكي هو عالم النفس الوحيد الذي تعلمتُ منه شيئا.
فبينما يتوقف دوستويفيسكي عند حدود التأريخ للنفس؛ وَصْفًا ورَسْمًا لخلجاتها وصراعاتها، فإن المتنبي يتجاوز ذلك إلى رؤية العالَم بعين المتأمل والفيلسوف مما مكَّنه من استخلاص وصياغة قوانين النفس الإنسانية، وآليات احتفاظها بمعدن النقاء والسلامة والطهارة، وطرق علاجها.
لكنّ الرباط الجامع بين الاثنين هو المرجعية والمنطلقات الروحية الدينية التي ينطلقان منها.
فدوستويفسكي يستمد رؤيته من التراث المسيحي حول أسئلة الإيمان والحرية والخطيئة والخلاص، أما الأحمد أبو الطيب المتنبي فقد تكَوَّن وجدانه الديني وملكاته البيانية وقواه العقلية وروافده الأخلاقية وثروات معجمه اللغوي الفذ في ظلال القرآن الكريم النموذج الأعمق والأعلى لبناء الإنسان عقليًا ومنهجيًا ودينيًا وأخلاقيًا وتربويأ.
فالقرآن كتاب هداية لكنه في الوقت ذاته يقدم تحليلًا بالغ العمق للنفس البشرية؛ فيكشف دوافع الحسد والكبر والنفاق والغرور واتباع الهوى، ويبين أن إصلاح المجتمع يبدأ بإصلاح النفس الإنسانية.
ولذلك يمكن القول بأن جانبًا مهمًا من حكمة المتنبي يمثل امتدادًا للرؤية القرآنية للإنسان وتكوينه النفسي والروحي لكن ليس من حيث الاقتباس اللفظي، بل من حيث استيعاب السنن النفسية التي تحكم السلوك.
وذلك يجعل من استقصاء جوانب الحكمة الفلسفية في شعر المتنبي يستلزم تخصيص نوافذ عديدة من نافذتنا للوعي، ولذلك سنتناول جوانب الحكمة الفلسفية لدى المتنبي في أجزاء نواصلها في نافذة الأسبوع القادم.