مهرجان التسول بالمترو
عادة ما أستقل مترو الأنفاق في معظم تنقلاتي؛ فهو الأسرع والأكثر انضباطًا بين وسائل المواصلات. لكن ما إن تُغلق أبواب العربة حتى يبدأ فصل آخر من الرحلة، لا علاقة له بالنقل ولا بالانتظام، وإنما بمشهد يومي بات يفرض نفسه على الركاب: التسول بكل صوره وأشكاله.
على خط حلوان– المرج، خاصة في الفترة المسائية، فتبدو عربات المترو وكأنها مسرح مفتوح لعشرات المتسولين والباعة الجائلين. أحيانًا يخيل إليك أن عددهم يفوق عدد الركاب، وأن لكل واحد منهم سيناريو مختلفًا معد سلفًا، بينما يبقى الهدف واحدًا: وهو الوصول إلى جيب الراكب.
هنا شاب يلوح بروشتة طبية، غالبًا ما يحيط بها كثير من علامات الاستفهام، ويتدلى من جسده كيس دم، بينما يردد أنه في حاجة إلى دواء أو عملية عاجلة. وما إن ينتهي من عربته حتى ينتقل بخفة إلى أخرى، وكأن شيئًا لم يكن.
وهناك امرأة تحمل طفلًا، يختلط بكاؤها بكلماتها عن زوج عاجز وأطفال ينتظرون لقمة العيش. وبعدها بدقائق يظهر طفل لم يتجاوز العاشرة، يوزع مصاحف صغيرة على الركاب في صمت، ثم يعود ليجمعها أو يطلب ثمنها باعتبارها "وهبة".
ولا يكتمل المشهد إلا بمتسول يرتدي ملابس أنهكها الزمن، تفوح منها رائحة النفور، ويتقدم بين الركاب مرددًا سيلًا من الأدعية التي تحمل في طياتها رسائل تخويف وتهديد أكثر مما تحمل من رجاء: «ربنا يحفظ عينك... يرجعك لبيتك سالم... ما يفضحك أبدا.. ما يشمت فيك عدو... يارب ما تشوفش حاجة وحشه في اولادك ». كلمات تدفع البعض إلى إخراج المال، ليس اقتناعًا، بل هربًا من الإحراج أو خوفًا من وقع الدعاء المعاكس وبالطبع يقشعر بدنك وتطلب النجاة بما تجود به!
ولم تعد الظاهرة حبيسة عربات المترو، فتلتقى عند مداخل المحطات بأطفال أمام كراسات وكتب، وبجوارهم علب مناديل، في مشهد يبدو للوهلة الأولى وكأنه واجب مدرسي، بينما هو في حقيقته وسيلة تسول مبتكرة لاستدرار التعاطف.
وعلى الأرصفة، تطاردك طفلة صغيرة أرسلتها أمها لتلتصق بك بطريقة مستفزة حتى تستجيب، في صورة قاسية لاستغلال البراءة في كسب المال.
الأخطر أن أساليب التسول تتجدد باستمرار، وكأنها تخضع لعمليات تطوير وتسويق لا تعرف التوقف. قصص جديدة، ووسائل أكثر تأثيرًا، ووجوه تتبدل، لكن الظاهرة تستفحل يومًا بعد يوم.
ولا أحد ينكر أن بين الناس محتاجين يستحقون المساعدة والدعم، وأن الفقر مسؤولية مجتمع ودولة. لكن الفارق كبير بين الإعانة الكريمة والتسول المنظم، وبين مد يد العون لمن ضاقت به السبل، وترك شبكات الاستغلال تعبث بالأطفال، وتحتل وسائل النقل العامة، وتبتكر كل يوم وسيلة جديدة لاستنزاف مشاعر المواطنين وأموالهم.
وعندما تخرج من محطة المترو، لا تنتهي الحكاية. يستقبلك نوع آخر من الاستجداء؛ بعض عمال النظافة يكتفون بابتسامة وعبارة مألوفة: «كل سنة وأنت طيب». عبارة تحمل في ظاهرها التهنئة، لكنها أصبحت عند كثيرين شفرة مفهومة لطلب المقابل أي للتسول.
يبقى السؤال الذي يفرض نفسه: إلى متى تظل عربات المترو ساحة مفتوحة للتسول المنظم؟ ومتى يستعيد هذا المرفق الحيوي هيبته، ليؤدي دوره في نقل المواطنين، لا في استعراض يومي لمشاهد تتكرر حتى أصبحت جزءًا من الرحلة؟ والسؤال الذى لا يؤرق من بيده الحل والربط، لماذا تزداد أعداد المتسولين؟ ولماذا تجد الظاهرة رواجا منقطع النظير؟!