مصر عصية علي التقسيم والضياع!
أحمس بطل التحرير.. موقعة أفاريس بالدلتا (الحلقة الأولى)
لم تكن واقعة أفاريس عام 1580 ق.م، تلك التى كسر فيها القائد المصرى أحمس شوكة الغزاة الهكسوس.. وطردهم شر طردة مدحورين مهزومين، بعد احتلال دام قرابة القرن ونصف القرن من الزمان، 150 سنة.. لم تكن تلك الواقعة سوى محطة هامة وفارقة فى تاريخ مصر..
ليس فقط القديم، بل امتدت آثارها عبر محطات مجد تليد حتى أيامنا تلك، فيما يُعرف بوحدة الأراضي المصرية واستعصائها على التقسيم والتشرذم.. مهما حاول المعتدون عبثًا.. فقد تعرضت مصر في محطات عدة للتقسيم..
لكن يأتي زمان يلبي نداء التاريخ القائل: باستحالة تقسيم وادي النيل.. حين ينبرى قائد عظيم، يكون هو الباعث لوحدتها تحت لواء المصرية العريقة.. هذا وقد شهد تاريخ مصر، محطات خالدة فى التوحد بعد التشرذم..
* بدأت بالملك مينا موحد القطرين منذ فجر التاريخ عام 3200/ ق.م
* ثم أتى بعده الملك منتوحتب الثانى عام 2065/ ق.م، بأكثر من ألف عام وأعاد توحيد مصر بعد زمان فتنة وضياع وتقسيم.
* ويأتي الملك أحمس بعد منتوحتب فيما يقارب خمسمائة عام، ليوحد مصر ثالثة.. بعد طرده للهكسوس، فى ملحمته الخالدة أفاريس عام 1580 ق.م، ليتكرس الدرس القائل: مصر عصية على التقسيم والضياع.
أحمس والهكسوس
* وقصتنا تلك هي قصة أبرز محطات تاريخ أجدادنا العظام القدماء المصريين، إنها ملحمة الملك أحمس، حين طرد الغزاة المحتلين الهكسوس في موقعة أفاريس عام 1580 ق.م، وقد بدأت تلك القصة بتغلغل الهكسوس فى مصر، وبمرور الزمان استطاعوا اختراق الجسد المصري، حتى أتت الظروف التي مكنتهم من السلطة في مصر..
وكان ذلك فى أواخر الأسرة الثالثة عشرة المصرية عام 1786 ق.م، حين شهدت البلاد في تلك الفترة أحداثًا جسامًا.. إذ سادت الاضطرابات وعمت الفوضى في الأراضي المصرية، وكانت مدينة طيبة هي الموطن الأصلي لسلالة ملوك -الأسرة الثالثة عشرة-.. وكانت تلك هي الفرصة السانحة للانقضاض..
فهاجم الهكسوس المصريين بأعداد غفيرة مقرات حكم المصريين القدماء 1730/ ق.م، ولم يستطع المصريون مقاومتهم، فحرقوا المدن والمعابد وسبوا النساء، واتخذوا عاصمة لهم في شرق الدلتا أطلقوا عليها أفاريس، والتى هي الآن (صان الحجر بالشرقية) وانتشروا تدريجيا حتى سيطروا على شمال مصر، بينما كان جنوب مصر والنوبة يقعان تحت الحكم المصري.
وهكذا توزع حكم مصر فى تلك الفترة من تاريخها، بين ملوك الأسرة الثالثة عشرة في الجنوب، بينما كان الهكسوس يسيطرون على الشمال، حيث اتخذوا من مدينة أفاريس الواقعة في شرق الدلتا عاصمة لهم، كما اتخذوا من الإله المصري ست معبودا لهم، ووضعوا إسم الإله رع في ألقابهم الملكية، وذاك من تأثرهم وذوبانهم فى الثقافة المصرية على نحو ما..
وكلمة الهكسوس هى تحريف للكلمتين المصريتين (حقاو وخاسوت) التى تعني حكام الأراضي الأجنبية.. وبتلك الأحداث تكون الأسرة الثالثة عشرة (1786 ـ 1736/ ق.م) قد تفككت وانتهت بعد50 سنة من قيامها..
لتنقسم مصر إلى ثلاثة ممالك رئيسية، هى مملكة الهكسوس التى كانت تسيطر على الدلتا ومصر الوسطى، ومملكة طيبة التى ظهرت في الصعيد وشكلت الأسرة السابعة عشرة فيما بعد، وكانت تسيطر على صعيد مصر آنذاك، ثم مملكة النوبة التي كان يحكمها أمير نوبي يخضع لحكام طيبة صوريًا وفعليًا يسيطر على الجنوب وكان حليفا للهكسوس.
وهكذا سيطر الهكسوس على الدلتا وتوغلوا في مصر الوسطى.. في نفس الوقت سيطر النوبيون على الجزء الجنوبي من البلاد.. ولم يبق من مصر المستقلة سوى جزء من صعيد مصر يحكمه أمراء طيبة.. وكم كانت معاناة المصريين حال حكم الهكسوس، والذى دام قرابة القرن ونصف القرن..
وطلية هذه الفترة كان يُنظر للمصريين نظرة الكراهية والاحتكار.. حتى تجرأ أمراء الصعيد مؤسسي الأسرة السابعة عشر على اتخاذ ألقاب ملوك المصريين القدامى، وهم بذلك قد أعلنوا التحدي لنفوذ وسلطة الهكسوس في الشمال.
واستيقظ الشعور الوطني، وهب الوعي المصرى، وشعر المصري القديم في طول البلاد وعرضها بما تعانيه مصر من ذل ومهانة، في ظل الحكم الأجنبي الغاصب -الهكسوس-، وسيطرته على معظم تربة مصر الخصبة، وهي أرض الدلتا التى تفيض بالثراء، ومصر الوسطى التي تنعم بأجمل الأجواء، وأطيب الغلات..
من أجل ذلك هب المصريون إلى ساحة القتال، يناضلون على استقلال بلادهم، يقودهم سلسلة من ملوك مصر الشجعان، لتخليص البلاد من نير الاحتلال الأجنبي، فاستشهد منهم من استشهد في ساحة الشرف، مدافعا عن أرض الكنانة، وناضل منهم من ناضل حتى لقي حتفه في ساحة الوغي..
وبدت بوادر الثورة المصرية، بمجرد أن ضعف حكام الهكسوس وتناقصت قوتهم، إذ انتهز أمراء طيبة الفرصة وأشعلوا نيران الثورة، ودخلوا في سلسلة من المصادمات مع قوى الهكسوس.. وكانت البداية في عهد الملك (سنكرع) والد أحمس والذي كان ملكا على طيبة..
فقد كانت سيادة الهكسوس عبر دفع الجزية على حاصلات بلاد الجنوب التابعة لطيبة.. وبقي الحال هكذا حتى ضج ومل أهل الصعيد دفع الجزية، في الوقت الذي فيه أخذت قوتهم تزداد تدريجيا، حتى انتهى بهم الأمر إلى أن هبوا في وجه الغزاة..
وإلى الحلقة الثانية والأخيرة: أحمس بطل التحرير.. موقعة أفاريس بالدلتا عام 1580/ ق.م.
المجد والخلود لمصر الحضارة والتاريخ.. العلياء والسؤدد لشهدائها الأبرار.. العز والفخار لشعبها الأبي.