ليلة لم ينم فيها المصريون
لم أنم تلك الليلة.. ولم يكن المصريون في حاجة إلى النوم.. منذ أن أطلق الحكم صافرة النهاية معلنًا فوز منتخب مصر على أستراليا في كأس العالم، أدركت أنني لا أشاهد مباراة كرة قدم، بل أشهد لحظة من لحظات التاريخ الوطني. لحظة يصعب أن تتكرر، لأنها تجاوزت حدود المستطيل الأخضر، وتحولت إلى حالة من الفرح الجماعي اجتاحت قلوب المصريين في الداخل والخارج.
خرجت إلى الشارع، فإذا بمصر كلها تحتفل. لم تكن السيارات تسير، بل كانت تزحف وسط أمواج من الأعلام والهتافات. الأطفال يلوحون بعلم مصر، والشباب يغنون، وكبار السن يبتسمون وكأنهم يستعيدون ذكرى انتصار انتظروه طويلًا. لم أجد غريبًا في تلك الليلة؛ الجميع كانوا يعرفون بعضهم بعضًا، لأن الوطن وحدهم جميعًا.
كان المشهد مهيبًا.. القاهرة تحتفل، والإسكندرية تغني، ومدن القناة ترقص، والصعيد يرفع الأعلام، وسيناء تردد الهتافات. بدا الوطن كله وكأنه قلب واحد ينبض باسم مصر.
وعندما فتحت هاتفي، وجدت المشهد يتكرر في كل مكان. المصريون في الخليج، وفي أوروبا، وفي الولايات المتحدة، وفي أستراليا نفسها، خرجوا يحملون العلم المصري، يهتفون ويغنون ويعانق بعضهم بعضًا. أدركت وقتها أن المسافات قد تبعد الأجساد، لكنها لا تستطيع أن تبعد القلوب عن الوطن.
في تلك الليلة يتضح أن كرة القدم ليست مجرد لعبة. إنها لغة قادرة على أن توحد الملايين في لحظة واحدة، وأن تزرع الأمل في النفوس، وأن تذكرنا بأن اسم مصر أكبر من أي اختلاف، وأن رايتها هي المظلة التي يجتمع تحتها الجميع.
ولم يكن اللاعبون في أرض الملعب يؤدون مباراة فحسب، بل كانوا يحملون أحلام أكثر من مائة مليون مصري، ويقاتلون من أجل رسم الابتسامة على وجوههم. كانوا يدركون أن كل تمريرة، وكل تدخل، وكل هدف، تكتبه ملايين القلوب معهم لحظة بلحظة.
عند الفجر، هدأت الأصوات قليلًا، لكن الفرح لم يهدأ. كانت الشوارع لا تزال تنبض بالحياة، وكانت مواقع التواصل الاجتماعي تمتلئ بصور الأعلام والابتسامات والدعوات بالفوز القادم. عندها أيقنت أن هذه لم تكن ليلة مباراة.. بل كانت ليلة وطن.
إنها ليلة لم ينم فيها المصريون، لأنها أعادت إليهم شعورًا لا يُشترى، ولا يُوصف، ولا يُنسى.. شعور الفخر بمصر. وستبقى هذه الليلة شاهدًا على أن انتصار الوطن لا يُقاس بعدد الأهداف، بل بعدد القلوب التي نبضت حبًا له في اللحظة نفسها.