العميد والفوضى الخلاقة
استطاع حسام حسن وفريق العمل الذي يحيط به أن يقدم مصر في صورة بهية أمام كاميرات العالم، بعد أن بدا أن لمصر منتخبًا فاعلًا في عالم كرة القدم، غير أن إطلاق العنان لمبالغات ممقوتة أو تصورات وهمية لا علاقة لها بواقع مصر الحقيقي اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا وعلميًا، يعد من قبيل الخبل والعته والهروب إلى مناطق الوهم.
ما فعله حسام حسن يعد من إبداعات الفوضى الخلاقة، منتخب ينتمي إلى بلد لا علاقة له بالتخطيط، نحن لا نعرف المعنى الحقيقي للتخطيط، لا في السياسة ولا في الاقتصاد ولا في الزراعة ولا في أي مجال، تمضي بلادنا بفعل الفوضى الخلاقة، بمعنى أن صعود بطل مصري عالمي، فإن هذا لا يعبر عن واقع الحال من قريب أو بعيد.
قد تكون هناك أسرة تدفع من حر مالها ومن عرق أبنائها ما يجعلها قادرة على عبور ابنها إلى مساحات أو ساحات عالمية، أو أبعد مما يمكن تحقيقه بفعل الواقع المصري، هذا يعني أن هناك أفرادًا يمكنهم النفاذ إلى عالم ما بعد، أو أبعد من فكرة الفوضى التي نحياها في بلادنا، وفي الوقت نفسه لا يصبغ واقعنا بما ليس فيه.
انظر مثلًا إلى المنتخبات الإفريقية التي تنتمي إلى بلاد متأخرة في العلم والتخطيط والاستقرار، تعتمد هذه المنتخبات على ما تقدمه إدارات الغرب من إنتاج لاعبين محترفين قادرين على تحقيق نتائج مبهرة لا علاقة لها بواقع الدول التي تمثلها، وهذا بالطبع لا يمنح أنظمة الدول الإفريقية شهادة صلاحية.
هذا الصخب الإعلامي غير المبرر الذي يصاحب وصول المنتخب المصري إلى الدور القادم لا يعني أننا أمام فريق يعبر بشكل مباشر عن احترام التخطيط والعمل بروح الفريق والنهوض الرياضي، كما أنه لا يعني بأي حال من الأحوال أن لدينا نظامًا كرويًا أو رياضيًا خارج سياق الفوضى التي نحياها في عالم الاقتصاد والسياسة والحكم بشكل عام.
حسام حسن في حد ذاته حالة رياضية وإنسانية لا يمكن خضوعها لما يجري حولها، حسام كلاعب لم يكن تعبيرًا صادقًا عن فكرة الالتزام الإداري في نادي الأهلي، بدليل أنه عندما غادر إلى نادي الزمالك، وهو واحة من واحات الفوضى العارمة، صنع مجدًا أيضًا.
واقع الحال يشير بوضوح إلى أن معظم لاعبي الفريق، باستثناء الثلاثي محمد صلاح وعمر مرموش وتريزيجيه، هم مجرد هواة أو موهوبون أصابتهم لعنة الفوضى التي تحكم عالم كرة القدم في مصر، وهو أمر يتسق مع ما يجري في كل المجالات التي تدار بطريقة: «أحييني اليوم، لا شأن لك بغدي».
الموهوبون في إفريقيا يباعون على أرصفة الفرق الأوروبية بأثمان قليلة، وهناك، في بلاد التخطيط العلمي والاحتراف المنضبط، يتحولون إلى جواهر ثمينة، ويعودون إلى بلادهم في فترات المسابقات العالمية ليمثلوا بلادهم، فتظهر تلك الدول وكأنها عمالقة كرة القدم، بينما واقع الأمر أنهم استفادوا مما أنتجه الغرب فقط لا غير.
في بلادنا يظهر نصف الموهوب، فتتكالب عليه أندية «تغرف» من معين أموال لا ينضب، وتتقاذفه أيدي الوكلاء، فيتصور وهمًا أنه فارس الفرسان وملك الزمان، واللاعب الذي ليس مثله إنس ولا جان، وفي المسابقات الدولية يسقط القناع، ونكتشف أننا أمام هواة لا يقوى الواحد منهم على مقارعة الصف الثاني من صفوف المحترفين الكبار.
في الحالة المصرية الآن استطاع حسام حسن، بفريق عمل لا يملك إلا إرادة التغيير والقدرة على الانفصال عن واقع الفوضى التي تحكم كرة القدم وغيرها، تحقيق انتصار يعد الاحتفال به اعترافًا مخزيًا بما نحن عليه في واقعنا الرياضي.
القصة لا يجب أن تغادر واقعها، ولا يمكن لمنصف أن يجري وراء هذا العته الإعلامي، ولا يجوز لنا أن نتصور وهمًا أننا أصبحنا مثل الكبار، الصدفة لا يمكنها أن ترسم واقعًا يعتمده الخبراء والمنصفون، والحالة الفردية لحسام لا يقاس عليها في تحليل واقع مرير نراه متجسدًا في كل ملامح الحياة المصرية، وليس الكروية فقط.