قادش الثانية.. ملحمة البطل المصري رمسيس الثاني
هذه هى أمجادنا.. نعم هي ملاحم النصر والمجد والخلود لأجدادنا العظام القدماء المصريين، ومن وقفاتهم العظيمة نستلهم الدرس.. نستلهم منها الثبات وروح التفاؤل والنصر.. نستدعيها اليوم فما أحوجنا إليها ليتأكد اليقين القائل.. مصر أم الدنيا لا تسقط أبدا، مهما كانت ضراوة الاستهداف وحلاكة الظرف.. وهو ما قالته موقعتا قادش الأولى للملك تحتمس الثالث عام 1468/ ق.م، وموقعة قادش الثانية للملك رمسيس عام 1285/ ق.م، تلك التي نحن بصددها اليوم.
في العام 1285 قبل الميلاد جرت في هذه المنطقة -قادش أو القصير بسوريا حاليا- واحدة من أهم المعارك في التاريخ القديم، والتي حددت مصير المنطقة وإمبراطوريات العالم الكبيرة آنذاك.. ففي تلك الفترة كانت الإمبراطورية البابلية تعيش أواخر فترة مجدها، ليحتدم الصراع بين الحثيين الموجودين في شمال سوريا -منطقة الأناضول- والقدماء المصريين القادمين من الجنوب.
وهناك على ضفة نهر العاصي حيث مدينة القصير الحالية قرب مدينة حمص، جرت تلك المعركة الحاسمة -قادش الثانية-، التي استعادت فيها مصر كامل سيادتها على المناطق الواقعة جنوبى قادش من بلاد الشام، بينما احتفظ الحثييون بالمناطق الشمالية، وفقا للمعاهدة التى أبرمت بين ملك الحثيين (خيتا) وملك مصر (رمسيس الثاني) عقب انتصار الجيش المصري في تلك الملحمة الخالدة.
قصة الملحمة
وبدأت قصة الملحمة بتداعيات قديمة شهدتها الفترة الأخيرة من الأسرة 18.. يوم انطلقت الدعوة الدينية للملك (أخناتون عام 1367ق.م) بتوحيد الإله، ونبذ تعدد الآلهة الشائع اعتقاده لدى قطاع عريض من كهنة مصر آنذاك، فكان أن اشتعلت البلاد بالثورة الدينية، تلك التي وقف وراءها كهنة البلاط الحكم في مصر القديمة، فأدخلت البلاد فى أتون الحرب الداخلية، واستعر أوارها، وتواصل طحانها الداخلي منهكا مصر.. حتى آخر ملوك الأسرة 18 الملك (حور محب عام 1335/ ق.م).
فاستغل الحثييون هذه الاضطرابات، فقاموا بعمل تحالف مع الميتانيين والحوريين وغيرهم من الآسياويين ممن تفككت إمبراطورياتهم القديمة "بابل".. ضد القدماء المصريين المنهمكين في الداخل جراء الثورة الدينية التى ضربت البلاد، ونجح حلف الآسياويين من إزاحة النفوذ المصرى من هناك، وقد حاول عدة ملوك استرجاع السيطرة المصرية على تلك المناطق بالشام في آسيا، وهو ما فشلوا فيه رغم أنهم أعادوا فيما بعد ضبط الشئون الداخلية المصرية.
ظلت الأمور هكذا حتى أتى (سيتي الأول) على عرش مصر عام 1309/ ق.م، وهو أول ملوك الأسرة 19 للدولة الحديثة قدماء مصريين.. فقاد سيتي جيشه فى السنة الأولى من حكمه، وقمع التمرد في قادش وكر الحثيين الآسياويين، وأوقع بهم هزيمة، استسلم على إثرها ملك الحثيين (متّيلا) وأبرم مع الملك سيتى الأول معاهدة سلام، كانت أشبه بالهدنة، وعاد سيتي وجيشه بعد هذا النصر المظفر، وانهمك فى إعمار البلاد من الداخل، طيلة فترة حكمه والتي استمرت زهاء 30 سنة..
وبعد وفاة الملك سيتي الأول اعتلى العرش ابنه رمسيس الثانى عام 1290/ ق.م، أشهر ملوك مصر القديمة على الإطلاق، ومؤسس الإمبراطورية الثانية فى تاريخ مصر القديمة، بطل معركة قادش والتي استهدف من خلالها القضاء على تحالف الآسيويين المتربصين بأمن مصر، ليس هذا فحسب، بل استطاع رمسيس الثاني أن يفرض اسمه على التاريخ من خلال منشآته العظيمة، وحملاته الظافرة، وحكمه الطويل الذى بلغ سبعة وستين عاما.
وقد أدرك الملك رمسيس الثاني منذ اليوم الأول لحكمه، ومن خلال حسه الحربي كقائد مغوار، أن عاصمة مصر السياسية يجب أن تُنقل من طيبة في الجنوب، إلى شمال الدلتا، ليتمكن هو وجيشه من أن يخف سريعا لحماية أراضى الدولة فى آسيا، فدشن عاصمة جديدة لمصر، أطلق عليها اسم (بر رمسيس) على الفرع التانيسي للني..
وكانت بذلك ذات موقع متوسط يناسب توجهات رمسيس السياسية باتجاه تثبيت النفوذ المصرى في فلسطين وسوريا. وأصبحت طيبة مركزا دينيا لا يؤمها الملك المصري إلا وقت الإحتفالات الكبرى، بينما جعل رمسيس الثانى إقامته فى مدينة تانيس التي هى بر رمسيس.
وتمكن الملك رمسيس الثاني من تأسيس جيش قوي -استعدادًا للمعركة- قوامه عشرون ألف مقاتل من خيرة جند مصر، تدريبًا وعتادًا وتأهيلا لخوض الصعاب، توزعت أعداد تلك القوات على أربعة فيالق، تحمل أسماء الآباء المصرية المقدسة الكبرى وهى: (آمون ـ رع ـ بتاح ـ ستخ).
خرج رمسيس الثاني بجيوشه من قلعة ثارو الحدودية، القريبة من القنطرة، وبعد مرور شهر واحد وصل بجيوشه إلى مشارف مدينة قادش، عند ملتقى نهر العاص مع أحد فروعه. فكان خط سيره على هذا النحو:
سار رمسيس الثانى فى السنة الخامسة من حكمه ( 1285/ ق.م ) مجتازا حدود مصر عند قلعة (ثارو) القريبة من القنطرة على رأس جيشه الذى كان يتألف من أربعة فيالق.
فكان فيلق (آمون) الذي تحت قيادة رمسيس الثاني نفسه يتقدم الفيالق الأخرى، وهي فيلق (رع) وفيلق (بتاح) وفيلق (ستخ).. وكانت تلك الفيالق تتبعه بالترتيب أثناء سيره، وأخذت طريقها بعد قطعها أراضي فلسطين ناحية جنوب لبنان، حيث كانت تسير على امتداد الطريق الساحلي..
واخترقت وادي جبال الأرز، ثم أوغل رمسيس الثاني وجيشه فى داخل الأراضي السورية، موليا وجهه شطر قادش بعد أن قطع الجيش المصري مسيرة ثلاثين يوما من دون توقف، وكان ملك الحثيين حاكم قادش (خيتا) قد أعد الأكمنة حول القرى القريبة من قادش.
حط الجيش المصري رحاله في أرض المعركة، وكان الملك رمسيس الثانى معسكرًا بجيشه بالقرب من قادش على مسيرة يوم واحد منها، ودخل معسكر الملك رمسيس الثاني اثنان من البدو، ادعيا أنهما هاربان من جيش الملك الحيثي، وأخبراه بأن ملك الحيثيين ابتعد عن مكان تمركزه وهو حاليا في حلب شمال سوريا.
ولم يكن البدويان سوى جواسيس، فأسرع رمسيس على رأس فيلق “آمون” وعبر نهر العاصي ثم أقام معسكره فى انتظار وصول باقي الجيش، إذا برجال جيشه يلقون القبض على اثنين من جنود العدو الكشافة، وبعد التحقيق معهما استخلصوا منهما الحقيقة، وهي أن جيوش الحثيين كانت في طريقها لعبور نهر العاصي ومفاجئة الجيش المصرى هناك.
وبالفعل عبر نصف الجيش الحيثي النهر، وفاجئوا رمسيس الثاني فهجموا على فيلق “رع” ودمروه، وبذلك قطعوا الاتصال بين رمسيس وبقية فيالقه، واتجه الجيش بعد ذلك بعرباته الحربية وتابع تقدمه وهاجم فيلق “آمون” الذى فقد العديد من جنوده.. فقاد رمسيس الثاني بنفسه هجوما ضد الحيثيين، حيث سلك بالجيش ممرًا ضيقا ليلتف حول الحيثيين، ودفع بهم حتى النهر..
وكانت اللحظة الفارقة فى ذلك وصول إمدادات من جنوده القادمين من بلاد “آمور”، “حضارة قديمة كانت تقع فى بلاد الشام”، ففاجأ ذلك الحيثيين ووجدوا أنفسهم محاصرين، مما اضطرهم لترك عرباتهم الحربية والسباحة فى نهر العاصي أمام هجوم جيش رمسيس الثاني.
وبعد معارك ضارية بين الطرفين، وخسائر فادحة لحقت بهما، دان النصر في النهاية لجيش مصر، بعد أن حوَّل الملك رمسيس الثاني الهزيمة إلى نصر مؤزر، وأسرع ملوك حلف الآسياويين بتقديم فروض الولاء والطاعة لرمسيس الثاني، بعد أن استسلم كبيرهم أمامهم (ملك الحثيين خيتا) وتم توقيع معاهدة سلام من موقع قوة وفرض نفوذ وسيطرة، أخضعت بموجبها أراضي الشام الواقعة جنوبي قادش للسيادة المصرية..
لقد كانت معركة قادش ملحمة شجاعة وصمود، وبطولة عظيمة للجيش المصري بكل المعايير والمقاييس العسكرية.. المجد والخلود لمصر الحضارة والتاريخ.. العلياء والسؤدد لشهدائها الأبرار.. العز والفخار لشعبها الأبي.