فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

نافذة على الوعي (16).. جهالات معرفية ولوثات ثقافية

يبدو أن معركة الوعي قد غدتْ قدَرَنا المقدور ليس لأجل الحفاظ على هُويتنا الحضارية فحسب بل لأجل حفظ التوازن النفسي والسلامة العقلية الكفيلة باستكمال الرحلة العُمْرِية المتبقية.

فالوعي لم يعد تَرَفًا فكريًا ولا خيارًا فلسفيًا بل بات ضرورة وجودية وحتمية نهائية للخروج من نفق لَوْثات ثقافة التفاهة واللامعنى والقابلية للانقياد خلف زيف الإلهاء الفكري والديني والدعاوى العقلية الممجوجة التي تستهدف مَسْخ الهوية وفَرْض شعائر اللاأدرية واللادينية والتشكيك الممنهج في الثوابت والرموز والقيم الدينية والأخلاقية.

 

ومع أن نافذتنا (نافذة على الوعي) تختص بإحياء الوعي وبنائه أو استعادته فلا تشتبك في جدليات جانبية وهامشية مع الأدعياء وهواجر الحقائق وتَجَرة الثقافات. ورغم أننا بصدد استكمال نوافذ الوعي في بيان زيف الإلهاء والتضليل في الخطاب العلماني وفساد الجهاز المعرفي والأخلاقي المنتج له.

 

لكن اقتضت الضرورة إرجاء بيان التضليل في الخطاب العلماني إلى النافذة القادمة إن شاء الله ؛ لأن الأمر العاجل الآن جَلَلٌ وخوضٌ في غمار رمي دعائم الهوية، وانتهاكٌ عَمْدٌ مع سبق الإصرار والترصد لبنيانها وثوابتها، وتزييفٌ لوعي بنيها.

 

مما لم يعد معه في القوس للصبر منزعٌ، ولم يبق سوى حَتْم البيان وفيصل الفرقان مفزعٌ أمام مبعوث جديد لزائف التنوير ومسخ الهوية شغَلَ الدنيا بانتفاخ مصطنع قاسَمَه فيه ودلَّاه بغرور دعْمٌ شبحيٌّ لإعلام موَّجه رفعه أمام أعينٍ وأبصار شغفها فضولا كلُّ ترندٍ مقتحم مرافئ الأديان أو باحث عن شراذم كل ما يظنه من أوهام المآخذ والعوَار.

 

فقد طفح علينا هذا الانتفاح المعلول ببارانويا نفسية ذات جموح طاغٍ نحو تسطير حرف شهرة بهوامش صفحات الأعلام من قمم الفكر وذوي الأقلام الإبداعية (ولو على جثث الآخرين)، فقبل أن يطرح مسيخُ الهوية والوعي الزائف هذا نفسه أكبر أهميةً من عميد الأدب العربي طه حسين ذلك الأمر الذي استحضر فيه الجميع حكمة أبي العلاء المعري لله دره حينما تعجب لمثل ذلك بقوله:


إذا وصَفَ الطائيَّ بالبخل مادِرٌ
وعَيَّرَ قِسًَّا بالفهاهة باقلُ

وقال السُّهي للشمس أنتِ خَفِيَّةٌ

وقال الدُّجي للصبح لونُكَ حائلٌ

وطاولتْ الأرضُ السماءَ سفاهةً

وفاخرتْ الشُهْبَ الحصى والجنادلُ

فيا موتُ زُرْ.. إنَّ الحياة ذميمةٌ
ويا نَفْسُ جِدِّي.. إن دهرَك هازلُ.

 

كان قد أجلس نفسه على كرسي عرش نُقَّاد الفكر وفلاسفة العلم وكهنة المعارف مُلَّاك الحقائق
وسلطة الأحكام والتقويم والتقييم لجهوده ونتاجه الشخصي، بما يجعله أيقونة العصر المتلألئة في مقامات أعلى عليين التي منها يرى أن عابد الجابري كان يعمل في دائرة ثقافية مغلقة، وأن الطيب تيزيني  مُنجَزه مجرد حركة مصطنعة في مياه راكدة، وأن أدونيس بقي متخندقا في مذهبيته الضيقة.

 

ذلكم هو مسيخ الهُوية الجديد فراس السوَّاح الذى خرج علينا من دهاليز مجهولة في ثوب أستاذية في تاريخ الأديان ومقارنتها شغلها في إحدى جامعات الصين مشفوعة بموسوعة كاملة في الأديان الممتدة على خارطة المسكونة منذ بدء الخليقة.

 

وبغض النظر عن قيام شخصٍ بمفرده بهذا التأليف الموسوعي الضخم فى الأديان العالمية على تفاوتها الشديد وتباعدها وتنوعها وكثرة قضاياها ومسائلها ومشكلاتها سواء أكانت سماوية أم وضعية أم وثنية، فإن الأمر قد يُفهم في ضوء ما يفعله غيره من أدعياء تأليف موسوعات الديانات العالمية بالقيام بجمْع الشذرات والمتناثرات والفقرات المدرسية حول الأديان.. 

ومن ثَمَّ تعبئتها وتنسيقها وتحريرها في صندوق واحد تحت وَهْم الموسوعية، أو الاستعانة بترجمة المواد المعرفية من الموسوعات الغربية بعد طلائها بالأصباغ والألوان العربية.

 

فإنَّ الأمر غير المفهوم هو الأدوات التي استعان بها مسيخ الهوية وداعية الوعي الزائف في إنشاء هذه الموسوعة في الأديان والحضارات العالمية على كوكبنا.. فهو غير متخصص في دراسة علم مقارنة الأديان أو تاريخها ولا منتسب لأي معهد علمي بالعالم العربي أو الغربي أو الشرق
الأقصى، ولم يدرس أو يتخرج فى أحدها على الإطلاق.

 

بل الأدهى والأعجب أنه عندما انتسب لقسم الفلسفة والأديان في ستينيات القرن الماضي قد فشل في الاستمرار بالدراسة به، وغادره لعجزه الكامل (حسب عبارته) عن استيعاب اختلاف الفلاسفة وتباين مدارسهم ومذاهبهم الفلسفية بجدلياتها وبراهينها ونظرياتها، فما كان منه إلا أن فرَّ منها فرار الفريسة من القَسْورة، فغادر الدرس الفلسفي برُمَّته مولِّيا ولم يُعقِّب، ثم اختفى بعدها؛ ليعمل بدولة عربية..

وليعود إلى الظهور من جديد أثناء أحداث الحريق العربي (2012 - 2013 م) أستاذًا لتاريخ الأديان 
بإحدى جامعات الشرق الأقصى؛ وذلك دون الحصول ولو على درجة الدكتوراة في مقارنة الأديان أوتاريخها، ناهيك عن أبحات ما بعدها الأكاديمية في التخصص.

 

وقد خرج علينا متحذلق متفيهق من أدعياء العصرنة وتَجَرَة زائف التنوير منافحًا عن ذلك قائلا: ما بالُ الأولين كالأستاذ العقاد لم يتخرج من أية أكاديمية علمية ولم يعمل بإحداها؟ وعلى الرغم من سماجة مثل هذا الاستدلال وزيفه، فإن العقاد لو كانت قد أتيحت له فرصة الالتحاق بقسم الفلسفة لكان الأبرز فيه والأعلى كعبًا، وما كان ليهرب من استيعاب تبايناتها المذهبية ومناهجها الاستدلالية وتعدد تصوراتها وبراهينها الإقناعية مثل ما فعل مسيخ الهوية.

 

كما أن العقاد منذ المولد حتى الممات لم يَحِد عن طريق الفكر والأدب، فبلغ القمة في الفكر الديني والفلسفة، فألف المرجعيات الموثوقة في: (الفلسفة القرآنية) التي هرب منها مسيخ الهوية، وفلاسفة الحكم في العصر الحديث، فلسفة الثورة، فلسفة الغزالي، فلسفة ابن رشد، وكَتَب (التفكير فريضة إسلامية)، وكتب نقدا فلسفيا (عقائد المفكرين).

 

وفي الأدب أسَّس مع عبد الرحمن شكرى وإبراهيم عبدالقادر المازني مدرسة شعرية جديدة هي مدرسة الديوان التجديدية ذات العلامة البارزة في تاريخ الشعر العربي العربي.

 

ورغم أن فشل مسيخِ الهوية في دراسة الفلسفة أو هروبه منها ما كان ليصبح عوارًا في سيرته الذاتية أو إشكالية كبرى تعترض طريق لوثاته الفكرية التي صدَّعت الرؤوس، لولا أنه قد طالَب حتميًا بضرورة تناول القرآن تناولا فلسفيًا وليس شرعيًا، مؤكدًا على أن ذلك التناول الفلسفي الضروري هو الطريق الوحيد الذي يقود إلى المنتَج العلمي الأصيل والنتائج الموثوقة التي انتهى إليها.

فها هنا تكمن أعجوبة الدهر من المضحكات المبكيات التي تعجُّ بها أوحالُ وطننا العربي الفكرية وحانات لوثاته الثقافية.

 

إذ كيف لفاقد الشيء أن يعطيه؟ وأية نتائج مصيبة يمكن أن تُنتظر من تناول فلسفي لنصٍّ قرآني مقدس قد افتقد فيه المتناوِل أداة الفحص والنظر الأساسية منهجًا ومعرفة؟ لكن ذلك على مايبدو سَمْتٌ جامعٌ لمُسَخاء الهوية وتَجَرة  زائف التنوير.

وربما لا يكون افتقاد أدوات الدرس الفلسفى وحده هو الحائل دون أصالة أو معقولية منتجات لوثات
مسيخ هويتنا الفكرية فى صولاته الإعلامية أو البحثية على حد سواء.

 

إذ إن خلاصة تلك اللوثات لا تكاد إلا أن تكون تكرارًا ممجوجا للطرح الاستشراقي القديم حول
أصالة الإسلام ونبيه وكتابه وأصوله الإيمانية وحقائقه وثوابته، مما قد سبق أن ناقشتُه بتفصيل في كتبي: (الغارة على القرآن)، (مناهج المستشرقين في دراسة القرآن الكريم)، (محمد صلى الله عليه وسلم في أدبيات الغرب) في مطلع هذه الألفية الثالثة.

 

وذلك على ما يبدو كذلك جامعٌ مشتركٌ بين مُسَخاء الهوية وتَجَرة زائف التنوير بالجلوس عند أقدام المستشرقين على حد عبارة الفلسطيني إدوارد سعيد، والاقتيات من فضلاتهم التشكيكية، والانقياد لمناهجهم الهدمية التي لم تثمر يوما شجرة وارفة أو تشيد بناءً مَكينًا ذا ظلٍ ظليل ليوم هجير.

لكنَّ  مَسِيخ هُويتنا السوَّاح لم يكتف بتكرار الطرح الاستشراقي ذي المنطلقات اللاهوتية التي بدأها القديس يوحنا الدمشقي بأطروحته الشهيرة عن الإسلام بأنه (هرطقة مسيحية)؛ وذي النزعات الامبريالية الاستعمارية، بل راح علی نحو غريب يخلط بين الدعاوى والادعاءات، وينطلق دون قيد علمي أو منهجي في عملية تفكيك وتركيب وترحيل وتقديم وتأخير وانتقائية عشوائية واجتزاء وابتسار.. 

فجاءت نزواته الفكرية خبط عشواء لحاطب ليلٍ ذي حصاد كَلَحْم جَمَلٍ غث على قمة جبل وَعْر يفتقد القيمة والجدوى وجدارة إنفاق وقت مطالعته أو استحقاق مِداد الرد عليه؛ لأنه مولود مُبْتسر لأُمٍّ متوفاة رُمَّتْ عظامها النخرة واستحالت ترابًا تذروه الرياح.

نكمل في المقال القادم