فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

في قلب العاصفة، كيف عبر البابا تواضروس بالكنيسة واحدة من أصعب المحطات بعد 30 يونيو؟

البابا تواضروس
البابا تواضروس

لم تكن السنوات التي أعقبت 30 يونيو 2013 مجرد مرحلة انتقال سياسي في تاريخ مصر، بل كانت اختبارا قاسيا لمؤسسات الدولة كافة، وفي مقدمتها الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، فبين مشهد سياسي شديد الاضطراب، وتصاعد غير مسبوق لأعمال العنف، واعتداءات طالت عشرات الكنائس والأديرة والمنشآت الخدمية، وجد البابا تواضروس الثاني نفسه أمام مسؤولية تاريخية تتجاوز إدارة الشأن الكنسي إلى حماية وحدة شعبه، والحفاظ على النسيج الوطني في لحظة كانت البلاد تقف فيها على حافة الانقسام.

في تلك الأيام، لم يكن البابا تواضروس قد أمضى سوى أشهر قليلة من جلوسه على الكرسي المرقسي، بعدما تولى المسؤولية في نوفمبر 2012، ليجد نفسه سريعا في مواجهة واحدة من أعقد الأزمات التي عرفتها الكنيسة المصرية منذ عقود.

وقبل اندلاع أحداث 30 يونيو، حاول البابا تواضروس نقل صورة الشارع المصري إلى الرئيس الأسبق محمد مرسي. 

وكشف في أكثر من لقاء إعلامي أنه التقى مرسي ثلاث مرات، وأن اللقاء الأخير جاء وسط تصاعد الغضب الشعبي، حيث تحدث معه بصراحة عن حالة الاستقطاب والمخاوف المتزايدة وغياب العدالة الاجتماعية، محذرا من أن الأوضاع تتجه إلى مرحلة بالغة الخطورة. 

وأكد لاحقا أن الكنيسة كانت حريصة على مصلحة الوطن، لكنها لم تجد استجابة كافية لما نقلته من مخاوف.

ومع خروج ملايين المصريين في 30 يونيو، شارك البابا تواضروس في الاجتماع التاريخي الذي عقد يوم 3 يوليو بحضور ممثلي القوى الوطنية والدينية، إلى جانب فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب. 

وأوضح البابا تواضروس في تصريحات لاحقة أن وجوده لم يكن لاتخاذ قرار سياسي، وإنما بصفته ممثلا لمؤسسة وطنية تحمل مسؤولية أبنائها، وأن الاجتماع جاء استجابة لإرادة شعبية رآها الجميع في الشوارع والميادين. 

لكن أصعب الاختبارات لم تبدأ إلا بعد ذلك بأسابيع قليلة، ففي أغسطس 2013، تعرضت الكنائس المصرية لموجة واسعة من الاعتداءات، بعد فض اعتصامي رابعة والنهضة. 

ووفقا لبيانات الكنيسة وتقارير حقوقية، استهدفت الاعتداءات أكثر من 80 منشأة كنسية، بينها عشرات الكنائس التي تعرضت للحرق أو التدمير أو النهب، إضافة إلى مدارس وجمعيات ومبان خدمية ومنازل تابعة للأقباط، وكانت محافظة المنيا من أكثر المحافظات تضررا. 

وسط هذه الأجواء المشحونة، كان الجميع يترقب رد فعل الكنيسة، خاصة مع حجم الخسائر والغضب الذي ساد بين الأقباط، إلا أن البابا تواضروس اختار خطابا مختلفا، أصبح لاحقا من أكثر العبارات حضورا في ذاكرة المصريين، عندما قال: "وطن بلا كنائس خير من كنائس بلا وطن."

لم تكن العبارة مجرد تعبير عن الحزن، بل حملت رسالة واضحة مفادها أن الحفاظ على الدولة ووحدة المجتمع يسبق الحفاظ على المباني، وأن دور الكنيسة في تلك اللحظة هو منع الانزلاق إلى فتنة طائفية قد تمتد آثارها لسنوات. 

وفي مداخلة إذاعية استعاد خلالها تلك الأيام، قال البابا تواضروس الثاني إنه كان يتلقى اتصالات متتالية تخبره بحرق الكنائس في أكثر من محافظة، بينما كانت البلاد تعيش حالة توتر غير مسبوقة، موضحا أن الكلمة التي ستخرج من الكنيسة في تلك اللحظة كان يمكن أن تؤثر في سلام المجتمع كله.

ومن هنا جاءت عبارته الأخرى التي لاقت صدى واسعا: "لو حرقوا الكنائس هنصلي في المساجد، ولو حرقوا المساجد هنصلي في الشوارع." وهي رسالة حملت تأكيدا على أن دور العبادة لا يمكن أن تكون سببا للصدام بين المصريين، وأن الوحدة الوطنية أقوى من أي محاولة لإشعال الفتنة. 

وفي الوقت نفسه، لعب التنسيق بين الكنيسة والأزهر الشريف دورا محوريا في تهدئة الأوضاع. فقد أكد البابا تواضروس في أكثر من مناسبة أن علاقته بفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب تقوم على الاحترام والتعاون، وأن المؤسستين وقفتا صفا واحدا في مواجهة محاولات بث الفرقة بين المسلمين والمسيحيين.

وتحدث البابا تواضروس عن زيارات مشتركة للمصابين وأسر الضحايا، مؤكدا أن دم المصريين واحد، وأن الإرهاب يستهدف الوطن كله، وليس فئة بعينها.

ولم تتوقف التحديات عند أحداث 2013، إذ شهدت السنوات التالية سلسلة من العمليات الإرهابية التي استهدفت الكنائس، من بينها تفجير الكنيسة البطرسية نهاية عام 2016، ثم تفجيرا كنيستي مارجرجس بطنطا والمرقسية بالإسكندرية في 2017. 

ورغم قسوة تلك الأحداث، واصل البابا تواضروس الدعوة إلى التماسك ورفض الانتقام، مؤكدا أن الإرهاب لا دين له ولا وطن، وأن الرد الحقيقي يكون بالحفاظ على وحدة المصريين وعدم الانجرار إلى دائرة الكراهية. 

وبالتوازي مع ذلك، بدأت الدولة المصرية برنامجا لإعادة إعمار الكنائس والمنشآت التي تضررت خلال أحداث 2013، بإشراف الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، حيث أُعيد ترميم وإعادة افتتاح عشرات الكنائس خلال السنوات التالية، في خطوة اعتبرتها الكنيسة تأكيدا على التزام الدولة بحماية دور العبادة وترسيخ مبدأ المواطنة. 

وبعد مرور أكثر من عقد على تلك الأحداث، لا تزال تصريحات البابا تواضروس في تلك المرحلة تستحضر بوصفها جزءا من خطاب وطني دعا إلى التهدئة وضبط النفس، في وقت كانت فيه البلاد تمر بواحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخها الحديث. 

وواجهت الكنيسة خسائر مؤلمة، وأُحرقت كنائس ومنشآت، وسقط ضحايا في أعمال عنف وإرهاب، لكن خطاب قيادتها ظل يركز على الحفاظ على وحدة المجتمع، وهو ما جعل تلك المرحلة تسجل باعتبارها واحدة من أصعب المحطات التي مرت بها الكنيسة المصرية، وأحد أبرز الاختبارات التي واجهت قيادتها في العصر الحديث.