فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

أخويا «الفحل»

كان لكل جيل تميمته الخاصة. جيل كان يوزع الأوسمة على صاحب الشهادة، وجيل آخر كان يقدس صاحب الوظيفة الحكومية، لأن العيال ليها معاش، ثم جاء جيل يرى أن الرجل هو صاحب السيارة، ثم الذي يملك الشركة، ثم الذي يسافر أكثر، ثم الذي يجمع المال أسرع.

 

أما الجيل اللي طالع.. فقد اختصر كل معايير التفوق في كلمة واحدة.. الفحل. أدخل إلى أي منصة من منصات التواصل، وستشعر أن البشرية قد هجرت الحضارة وعادت إلى موسم تزاوج في غابة استوائية، هذا فحل لأنه أحرز هدفا، وذاك فحل لأنه رد على تعليق، وثالث فحل لأنه تشاجر.

ورابع أخويا الفحل لأنه أهان شخصا في لايف، وخامس لأنه يقود سيارة بصوت عادم يكفي لإيقاظ الديناصورات، أما إذا خسر.. فلا بأس.. سيجد من يواسيه بقوله برضو فحل.

 

صارت الفحولة مثل الملح ترش على كل شيء، حتى فقدت معناها، المثير للسخرية أن الكلمة نفسها كانت في الأصل تصف الذكر الأقوى بين الحيوانات، ثم انتقلت إلى الإنسان في سياقات محدودة، قبل أن تتحول اليوم إلى مقياس شامل للنجاح.

 

لا أحد يقول عن الطبيب العبقري.. هذا مفكر. بل يقول فحل. ولا عن الكاتب المبدع.. هذا مثقف. بل فحل. ولا عن الطالب الأول.. مجتهد. بل: فحل. حتى لو كانت المناسبة مباراة في البلايستيش. وكأن الإنسانية، بعد آلاف السنين من اختراع الفلسفة والعلوم والجامعات والموسيقى والأدب، انتهت إلى أن أعظم ما يمكن أن يطمح إليه الإنسان هو أن ينادى في التعليقا.. بـ أخويا الفحل.

 

وهنا يصبح السؤال أكثر أهمية من السخرية. لماذا؟ لماذا اختارت هذه الأجيال تحديدا الفحولة لتكون المعيار الأعلى؟ الإجابة ليست بسيطة. لكنها تبدأ من مكان واحد.. الإنترنت. العالم لم يعد كما كان. قبل عشرين عاما، كان المراهق يبحث عن قدوته في البيت أو المدرسة أو النادي.

أما اليوم فهو يستيقظ ليجد هاتفه يقترح عليه آلاف الرجال الذين يخبرونه طوال اليوم أن قيمة الرجل تقاس بعدد النساء اللاتي يعجبن به، أو يخضعن له، أو يجرين خلفه.

 

تطبيقات كاملة تقوم على هذه الفكرة. مؤثرون لا يبيعون محتوى.. بل يبيعون الذكورة في عبوات. اشترك في الدورة. اشتر الكتاب. احفظ عشر جمل. تعلم كيف تسيطر. كيف ترفض.كيف تتجاهل. كيف تجعلها تندم. كيف تصبح.. الفحل. وكأن الرجولة أصبحت كورسا مدفوعا، لا تربية ولا خلقا ولا مسؤولية.

 

ثم جاءت الخوارزميات لتصب الزيت على النار. فالمنصات لا تكافئ الحكيم. بل تكافئ الصادم. ولا تنشر الهادئ. بل ترفع صاحب الصوت الأعلى. والمحتوى الجنسي تحديدا هو الوقود الأسرع انتشارا. فالدماغ البشري مبرمج بيولوجيا على الانتباه لكل ما يتعلق بالجنس، والمنصات تعرف ذلك جيدا.

 

ولذلك تمتلئ الشاشات بإيحاءات لا تنتهي. صورة.. تعليق.. مزحة.. رقصة.. تحدي.. ثم تتحول الحياة كلها تدريجيا إلى منافسة غير معلنة حول الجاذبية الجنسية. وحين يعيش شاب في هذا المناخ لسنوات، فمن الطبيعي أن يعيد تعريف النجاح كله من خلال هذه العدسة.

ولذلك لم تعد البطولة في نظر كثيرين أن تكون أمينا. ولا شريفا. ولا نافعا. ولا كريما. بل أن تبدو ألفا. حتى لو كان ما تملكه مجرد ثقة مصطنعة، ونظارة سوداء، وفيب، وصورة بجوار سيارة ليست لك. المهم أن يكتب أحدهم تحت الصور.. الفحل. وهنا تقع المفارقة.

 

كلما ارتفع الحديث عن الفحولة.. قلت الرجولة. فالرجولة لا تحتاج إلى إعلان. والقوة الحقيقية لا تصرخ. والإنسان الواثق بنفسه لا يستيقظ كل صباح ليقنع العالم بأنه الأقوى. الأسد لا يكتب في البايو.. ملك الغابة. ولا يعلق تحت صوره أصدقاؤه.. أخويا الأسد.

 

المجتمعات حين تختار معيارا معينا للنجاح، فإنها تبدأ في إنتاجه بكميات هائلة. إذا صار المال هو المعيار، خرج آلاف المحتالين. وإذا صارت الشهرة هي المعيار، خرج آلاف المهرجين. وإذا أصبحت الفحولة هي المعيار..

 

فلا تتعجب إذا وجدت آلاف الشباب يطاردون صورة أكثر مما يطاردون حقيقة. ويهتمون بالانطباع أكثر من الجوهر. وبعدد الإعجابات أكثر من عدد الكتب التي قرأوها. المشكلة ليست في الكلمة وحدها. بل في ما وراء الكلمة. فكل كلمة شائعة تكشف شيئا عن المجتمع. حين تسمع الناس يكررون لفظا بعينه، فلا تضحك من اللفظ..

 

اسأل نفسك، ماذا ينقصهم حتى أصبح هذا هو الحلم؟ ولماذا يشعر شاب في مقتبل العمر أن أعلى وسام يمكن أن يناله ليس العالم، ولا المبدع، ولا الأمين، ولا الناجح.. بل الفحل؟ ربما لأننا نعيش عصرا يقاس فيه الإنسان بما يثيره، لا بما يقدمه. وبما يبدو عليه، لا بما هو عليه. وبعدد المشاهدات، لا بعدد الإنجازات.

ولهذا لن أتعجب إذا استيقظنا بعد سنوات لنجد طفلا يسأل أباه: بابا.. يعني إيه عالم؟ فيجيبه الأب: مش عارف يا ابني.. بس أهم حاجة لما تكبر تبقى فحل. وعندها.. لن تكون المشكلة في الطفل. بل في المجتمع الذي أقنعه أن قمة الهرم الإنساني ليست العقل.. ولا الأخلاق.. ولا العلم.. بل كلمة تقال في تعليق عابر، ثم يصفق لها آلاف لا يعرفون أصلا لماذا يصفقون.