فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

متولي وشفيقة.. مَن قتل مَن؟

ليست كل حكاية شعبية قابلة للحياة من جديد، فبعضها يذوب مع الزمن، وبعضها يتحول إلى مجرد حكاية محفوظة في الذاكرة، وهناك حكايات تظل قادرة على طرح الأسئلة كلما تغيرت زوايا النظر إليها. ومن بين تلك الحكايات سيرة شفيقة ومتولي، التي تناولتها السينما وقدمت على المسرح بأكثر من رؤية درامية، باعتبارها حكاية عن الشرف والخطيئة والثأر.


لكن عرض متولي وشفيقة، الذي يُعرض حاليا على مسرح الطليعة، تأليف محمد علي إبراهيم وإخراج أمير اليماني، اختار أن يقتحم قلب الحكاية نفسها ليقترب من المنطقة الأكثر وجعا فيها: منطقة الضمير الإنساني. فالعرض لا يسأل: ماذا فعل متولي بأخته؟ بل يسأل: ماذا فعلت أخته به؟ وكيف يمكن لرجل أن يعيش عمره مطاردا بصورة من أحب، ومعذبا بها في الوقت نفسه؟


منذ اللحظة الأولى لا يبدأ العرض من الحكاية، بل من آثارها، حيث يبدأ بكابوس يطارد متولي، الذي يستيقظ ليكتشف أن الجريمة الحقيقية لم تكن موت شفيقة، بل بقاءها حية بداخله. ولذلك لم يعد متولي هنا مجرد بطل شعبي يحمل سكينه للثأر، بل رجلا يحاكمه ضميره بلا هوادة.


وربما كان أهم رهانات المعالجة الدرامية أنها أعادت تدوير السيرة الشعبية. ففي معظم المعالجات السابقة كانت شفيقة هي المحور الأساسي الذي تدور حوله الأحداث، بينما تتحول هنا إلى مرآة نرى من خلالها متولي من الداخل، ليصبح العرض كله رحلة داخل الأخ، لا حول مصير الأخت.


واحدة من أكثر الأفكار الدرامية ذكاءً هي تقسيم شخصية شفيقة إلى ثلاث مراحل: الطفلة البريئة، والفتاة الحالمة، والمرأة التي تحمل عبء الخطيئة والندم. لم تكن هذه الشخصيات مراحل زمنية متتابعة بقدر ما كانت طبقات متراكمة داخل ذاكرة متولي.


وفي أحد أكثر المشاهد عمقا يسأل متولي أخته الصغيرة: «حفظتي إيه في الكُتاب؟» فتجيبه: «أنا أحب أبي... أنا أحب أمي... أنا أحب...» ثم تتوقف. يعود المشهد نفسه مع شفيقة في مراحلها المختلفة، وفي كل مرة تتوقف الجملة عند النقطة نفسها. وحين يصرخ متولي: "كملي يا شفيقة... أنا أحب إيه؟!" ندرك أننا لا نشاهد حوارا، بل إنسانا يحاول انتزاع اعتراف مستحيل من الذاكرة.


ولم يكن النص وحده من قام بالمهمة، بل جاءت مجموعة التعبير الحركي لتؤدي دورا بالغ الأثر، فتحولت إلى ما يشبه الجوقة التراجيدية، صوت الضمير تارة وصوت المجتمع تارة أخرى، والراوي الذي يعيد تشكيل الحكاية أمام أعيننا.


واللافت أن مصمم الحركة أحمد مانو نجح في تحقيق تناغم واضح مع السينوغرافيا التي صممها الدكتور محمد سعد. ومع توحد الألوان والتكوينات البصرية بدت الأجساد وكأنها جزء من جدران المنزل نفسه، فتحول المكان من مجرد إطار للأحداث إلى ذاكرة حية تشارك في المحاكمة.


أما الإضاءة فقد أدت وظيفة درامية حساسة، إذ لم تُستخدم للفصل بين المشاهد فقط، بل تحولت إلى أداة تنقلنا بين الحاضر والماضي، وبين الذاكرة والواقع، فجاءت مشاهد الفلاش باك منسابة بسلاسة.
ولعبت الموسيقى دورا لا يقل أهمية عن السينوغرافيا، وتنوعت الأغاني بين التراثية وتلك المؤلفة خصيصا لدراما العرض من ألحان أحمد نبيل.


ولعل ما يُحسب للعرض أنه رفض أن يحول الجمهور إلى قاضٍ؛ فالمشاهد يظل طوال العرض معلقا بين التعاطف مع شفيقة ومساءلتها، وبين تفهم متولي والشفقة عليه.


وعلى مستوى الأداء، قدم محمد فريد أداءً ناضجا أدرك من خلاله أن مأساة متولي ليست في غضبه بل في ضعفه، وليست في انتقامه بل في عجزه عن التصالح مع نفسه، فجاء أداؤه محملا بتفاصيل إنسانية صنعت أثرا واضحا على خشبة المسرح.


كما قدمت يسرا المنسي دور شفيقة كنموذج للمرأة الضحية والساذجة والمدانة في الوقت نفسه، فجاء أداؤها متوازنا وقادرا على إثارة التعاطف دون السقوط في الاستعطاف، بينما أضفت الطفلة دالا حربي الكثير من البهجة والعفوية على عرض مثقل بالأسئلة الوجودية.


ولم تقتصر جودة الأداء على الأدوار الرئيسية، فقد قدم إسلام مصطفى شخصية "صالح" بحضور واع ومتزن، بينما نجح أحمد عودة في تقديم شخصية "دياب" بما تحمله من مكر ودهاء، فكان أحد المحركات الأساسية للصراع.


ومن التفاصيل اللافتة ما تحمله أسماء الشخصيات من دلالات رمزية. فـ"متولي" هو من تولى رعاية أخته وتربيتها، و"شفيقة" تجسد الشفقة والحنان اللذين افتقدهما، بينما يحمل "صالح" دلالة الاستقامة والتقاليد الصارمة، في مقابل "دياب" الذي يستدعي صورة الذئب بما تحمله من مكر وافتراس. وهكذا تبدو الأسماء جزءا من البناء الدرامي، لا مجرد اختيار لغوي.


أما النهاية فهي المفتاح الحقيقي لفهم العرض كله، فشفيقة هي التي اختارت أن تنهي حياتها، وهي من منحت أخاها شرفا لم يصنعه بنفسه، ليكتشف أن الشرف الذي استرده لن يحرره بل سيظل قيده الأبدي، وأن الضمير أكثر قسوة من المجتمع نفسه.


وفي اللحظة التي تجتمع فيها صور شفيقة الثلاث حول المرجيحة التي اشتراها لها متولي عندما كانت صغيرة، يتوحد حضوره مع حضورها في صورة تتجاوز حدود الواقع، ليهمس العرض بفكرته الأخيرة: أن الحب لا يموت، وأن اللقاء حتمي.

بهذا الوعي الفكري والجمالي يقدم متولي وشفيقة نموذجا لعرض تعبيري راقٍ استطاع أن يعيد قراءة حكاية شعبية شهيرة من زاوية إنسانية جديدة، وأن يجعل من تناغم السينوغرافيا والحركة والموسيقى والأداء لغة واحدة متماسكة، قادرة على الوصول إلى عقل الجمهور وقلبه.