حداية الحكومة.. لا تحدف كتاكيت
حين أعلنت الحكومة مؤخرا على لسان رجلها الأول الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء عن عزمها تطبيق منظومة تموينية جديدة، تتعلق بتحويل الدعم العيني إلى دعم نقدي بغرض ضمان وصول الدعم لمستحقيه وتحقيق العدالة الاجتماعية الكاملة، قفز إلى ذهني مباشرة المثل الشائع "الحداية مبتحدفش كتاكيت"، وربما يرجع ذلك لأننى ومعي جموع الشعب لم نعتد على هذا الرفق الحكومي بالمواطن.
بدأت في قراءة بعض ملامح تلك المنظومة والتي أعلنتها الحكومة بكل فخر متعهدًا لنفسي أن أتسم بالحيادية التامة وحتى لا أتهم كالعادة بمعاداة تلك الحكومة الرشيدة راجحة العقل التي لا تذوق جفونها طعم النوم، والتي لا تألوا جهدًا في البحث عن كل الوسائل التي تحقق للمواطن الراحة التامة والرفاهية المنشودة.
أعلنت الحكومة في بادئ الأمر أنه سيتم إدراج عدد كبير من السلع التي لم يسبق لها أن نالت شرف الانضمام للمنظومة التموينية مثل اللحوم والدواجن ومنتجات الألبان في قائمة تلك المنظومة، ليرتفع عدد السلع المدرجة من 33 سلعة إلى نحو 80 سلعة، على أن يحصل عليها المستفيد بالأسعار الحرة المعمول بها في الأسواق المختلفة، يختار صاحب البطاقة ما يحلو له من سلع في حدود القيمة التي سوف تحددها الحكومة.
وفيما يتعلق برغيف الخبز، فيحق للمواطن الحصول عليه بكامل المبلغ المستحق ولكن بالسعر الحر المعمول به في الأسواق، حيث سيتم إلغاء نقاط الخبز المعمول بها حاليًا، وهو الأمر الذي يعطي أصحاب المخابز كافة الصلاحيات في تحديد سعره دون رقيب أو حسيب.
عند التأمل في حقيقة ما تعلن عنه الحكومة فلن تجد أي مبرر لهذا التغيير المزعوم، ولن يكون هناك تغيير فلن يحصل المواطن في يده على مبالغ نقدية، بل سيختار السلع التي يحتاجها كما هو الوضع حاليا، وبالتالي فإن الدعم النقدي في مفهوم الحكومة مختلف عن المفهوم الحقيقي..
وأن الدعم النقدي لن يكون نقديًا كما تزعم، وأن المنظومة الجديدة ليست جديدة، خاصة وأن التصريحات الحكومية تؤكد أنه لا يعقل أن يكون هناك أكثر من سعر للسلعة الواحدة بالأسواق، مثلما هو الحال حاليا في رغيف الخبز المدعم والآخر الحر.
إذًا فإن الحكومة تزرع الألغام في طريق المواطن تحت مسمى منظومة جديدة ودعم نقدي لا يخرج عن كونه مخططا مشبوها هدفه تحرير أسعار كافة السلع، وإلغاء مسمى السلع المدعمة وتحديدا رغيف الخبز، وتحجيم منظومة الدعم واتخاذ قرارات بحذف أسماء العديد من المستفيدين بحجة تحقيق العدالة الكاملة للدعم، خاصة وأن عدد المستفيدين يبلغ نحو 67 مليون مستفيد.
والدليل على وجود ذلك المخطط ما أعلنته الحكومة في هذا الإطار، حيث قال مسئولوها إنه سيتم تقسيم المستفيدين إلى شرائح مختلفة وفقا لمستوى الدخل والاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية لكل مواطن، وأنه بناءً على هذا التصنيف ستحصل الأسر الأكثر احتياجا على قيمة دعم أعلى، فضلا عن أن منظومة الدعم الحالية تعاني من تسرب جزء من الدعم والذي لا يصل بالكامل للمستحقين ووجود نسب من الهدر وعدم الكفاءة في بعض البرامج القائمة.
هذا التقسيم أيها السيدات والسادة ما هو إلا بوابة لطرد جانب كبير من المواطنين من قائمة المستفيدين، خاصة وأن الحكومة سوف تضع شروطا للشرائح المستحقة، فهذا المواطن يستبعد لأنه من ذوي الأملاك، وذاك أيضا يمتلك سيارة أو دراجة بخارية وهؤلاء يستهلكون كهرباء ومياه وغاز وإنترنت، ويشحنون هواتفهم بمبالغ كبيرة فلا يستحقون الدعم، وهؤلاء سبق اتهامهم في قضايا مختلفة وغير مستبعد أن يتهم كل من يقوم بشراء شيكولاتة أو آيس كريم لأولاده بأنه يعيش في رفاهية ومن المترفين الذين لا يستحقون دعم ومساندة الحكومة..
وبالأحرى سوف تضع الحكومة كل العراقيل وتفرض كل القيود التي تحول دون إدراج عدد كبير من قائمة المستفيدين من الدعم، وقد ينتهي الأمر عند الفئات الحاصلة على معاش تكافل وكرامة ولا عزاء لما هم دون ذلك.
الوضع الحالي يؤكد حصول المواطن على سلع أساسية مثل الخبز أو السلع التموينية مما يوفر له حدًا أدنى مضمونًا من الاحتياجات المعيشية، بينما لا يحقق ما يسمى بالدعم النقدي الهدف نفسه إذا شهدت الأسواق ارتفاعات متتالية في الأسعار.
ويبقى التأكيد على أن بطاقة التموين هي الشريان الذي يضخ فتات الحياة في أركان الأسرة بعد أن قتل الغلاء الفاحش كل مواردها وهي الملاذ الآمن في ظل انهيار القوة الشرائية للمواطن.