لا مكان للفقراء في كأس العالم!
على مدار سنوات طويلة، انشغلت بدراسة الجماهير الرياضية بوصفها أحد أهم الفاعلين الاجتماعيين في عالم كرة القدم، وكان اهتمامي الأكبر منصبًا على ظاهرة الألتراس التي أعتبرها التعبير الأكثر صدقًا عن الجماهير الحقيقية للعبة.
فمعظم أعضاء هذه المجموعات ينتمون إلى الطبقات الشعبية والشرائح محدودة الدخل، وهم الذين يمنحون المدرجات روحها وحيويتها ويصنعون الأجواء التي تجعل كرة القدم أكثر من مجرد منافسة رياضية.
ومن هذا المنطلق أنجزت منذ أكثر من عشر سنوات أول دراسة سوسيولوجية عربية متخصصة حول هذه الظاهرة، والتي صدر عنها كتاب بعنوان "أسطورة الألتراس"، حاولت من خلاله فهم الأبعاد الاجتماعية والثقافية والسياسية لهذا الشكل الجديد من التنظيم الجماهيري.
واليوم أعود إلى القضية ذاتها من زاوية مختلفة، بعدما طلب مني الصديق العزيز الأستاذ الدكتور أكرم محمد، أستاذ التخطيط الاجتماعي، أن أتناول بالنقاش ما تشهده بطولات كرة القدم الكبرى، وعلى رأسها كأس العالم، من ارتفاعات غير مسبوقة في أسعار التذاكر وانتشار المضاربة والمتاجرة بها، بما يهدد بحرمان الجماهير الشعبية، التي كانت دائمًا القلب النابض للعبة، من حقها في الحضور والمشاركة في هذا العرس الكروي العالمي.
فمنذ أن تحولت كرة القدم إلى صناعة عالمية تدر مليارات الدولارات، بدأت الفجوة تتسع بين الجماهير التي صنعت شعبية اللعبة وبين المؤسسات والشركات التي تجني أرباحها. ومع اقتراب بطولة كأس العالم 2026 التي تستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، تصاعدت الانتقادات بشأن أسعار التذاكر وعمليات المضاربة والاتجار بها، الأمر الذي جعل حلم حضور مباريات المونديال داخل الملاعب بعيد المنال بالنسبة لقطاعات واسعة من الجماهير محدودة الدخل.
لطالما قدم الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) نفسه بوصفه حامي اللعبة الشعبية الأولى في العالم، لكن الواقع يشير إلى أن حضور كأس العالم أصبح امتيازًا يقتصر على القادرين ماليًا. فالتذاكر الأساسية للمباريات تشهد ارتفاعًا مستمرًا في أسعارها، بينما تقف الجماهير العادية عاجزة أمام تكاليف السفر والإقامة والنقل، فضلًا عن أسعار التذاكر نفسها.
المشكلة لا تتوقف عند الأسعار الرسمية التي تحددها الفيفا، بل تتفاقم بسبب السوق السوداء وعمليات إعادة بيع التذاكر عبر منصات إلكترونية ووسطاء محترفين. ففي كثير من الأحيان يتم شراء كميات كبيرة من التذاكر فور طرحها باستخدام تقنيات إلكترونية متطورة أو من خلال شبكات منظمة من المضاربين، ثم يعاد بيعها بأسعار قد تتجاوز السعر الأصلي بعدة أضعاف.
وهكذا يجد المشجع البسيط نفسه أمام خيارين أحلاهما مر: إما دفع مبالغ باهظة تفوق قدرته المالية أو الاكتفاء بمتابعة المباريات عبر الشاشات.
من المسؤول عن هذا الوضع؟ هل تقع المسؤولية كاملة على الفيفا؟
الحقيقة أن المسؤولية موزعة بين عدة أطراف. فالفيفا تتحمل جزءًا مهمًا من المسؤولية باعتبارها الجهة المنظمة للبطولة وصاحبة القرار في آليات بيع التذاكر وتسعيرها. كما أن اعتمادها المتزايد على تعظيم الإيرادات التجارية جعل الاعتبارات الاقتصادية تتقدم أحيانًا على البعد الجماهيري والاجتماعي للبطولة.
ومن حق المنتقدين أن يتساءلوا: كيف يمكن لحدث عالمي يفترض أنه يحتفي بشعوب العالم كافة أن يصبح متاحًا بصورة أكبر للأثرياء ورجال الأعمال وكبار الرعاة؟
في المقابل، تتحمل شركات بيع التذاكر والمنصات الإلكترونية جزءًا آخر من المسؤولية، خاصة عندما تفشل في منع المضاربة أو في تطبيق ضوابط صارمة تمنع إعادة البيع بأسعار مبالغ فيها. كما أن بعض الحكومات والسلطات الرقابية لا تبذل الجهد الكافي لملاحقة شبكات السماسرة والمتاجرين بالتذاكر الذين يستغلون شغف الجماهير لتحقيق أرباح ضخمة.
ولا يمكن تجاهل دور الشركات الراعية وكبار المستثمرين الذين يحصلون على حصص كبيرة من التذاكر ضمن باقات الضيافة الفاخرة. فهذه الباقات، التي تصل أسعار بعضها إلى آلاف الدولارات للمباراة الواحدة، تعكس توجهًا متزايدًا نحو تحويل المدرجات إلى فضاءات تجارية أكثر منها أماكن للجماهير الشعبية التي منحت كرة القدم هويتها الحقيقية.
إن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في حرمان الفقراء من حضور المباريات، بل في تغيير طبيعة كرة القدم نفسها. فعندما تصبح المدرجات حكرًا على أصحاب الدخل المرتفع، تفقد اللعبة جزءًا من روحها وثقافتها الشعبية. فالأهازيج والحماس والتشجيع العفوي الذي يصنع أجواء المباريات يأتي غالبًا من الجماهير العادية، لا من مقاعد الضيافة الفاخرة.
لذلك تبدو الحاجة ملحة إلى إصلاحات حقيقية تضمن عدالة أكبر في توزيع التذاكر. ويمكن تحقيق ذلك عبر تخصيص نسب أكبر من التذاكر بأسعار مدعومة للجماهير محدودة الدخل، وتشديد الرقابة على عمليات إعادة البيع، وتطوير أنظمة إلكترونية تمنع الاحتكار والمضاربة، فضلًا عن فرض عقوبات صارمة على السماسرة والمنصات المخالفة.
إن كأس العالم ليس مجرد مشروع تجاري أو مناسبة لتحقيق الأرباح، بل هو حدث إنساني ورياضي عالمي يفترض أن يجمع الشعوب لا أن يعمق الفوارق الاجتماعية بينها. وإذا استمرت ظاهرة المتاجرة بالتذاكر وارتفاع الأسعار دون حلول جذرية، فقد يأتي يوم يصبح فيه حضور المونديال حلمًا مستحيلًا بالنسبة لملايين المشجعين الذين عشقوا كرة القدم وجعلوها اللعبة الأكثر شعبية على وجه الأرض.
وعندها سيصبح السؤال مشروعًا: هل ما زالت كأس العالم بطولة للجماهير، أم أنها تحولت إلى عرض عالمي لا مكان فيه للفقراء؟، اللهم بلغت اللهم فاشهد.