فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

على غير رغبة الزعيم، عندما تدخل هيكل في بيان التنحي لاختيار خليفة عبد الناصر

هيكل والرئيس عبد
هيكل والرئيس عبد الناصر، فيتو

في مثل هذا اليوم 9 يونيو عام 1967 وفي خامس أيام النكسة، أعلن الرئيس جمال عبد الناصر تنحيه عن رئاسة الجمهورية من خلال خطاب حزين بالإذاعة والتليفزيون على الهواء اعترافًا بمسؤوليته عما حدث يوم الخامس من يونيو، مرشحًا السيد زكريا محيي الدين أكبر أعضاء مجلس قيادة الثورة سنًا لتولي السلطة بدلًا منه، لكن قوبل القرار برفض شعبي واسع حيث اندلعت المظاهرات التي استمرت يومين 9 و10 يونيو بالملايين تطالب عبد الناصر بالبقاء.

كان الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل هو الشاهد الوحيد على كلمات خطاب تنحي الرئيس جمال عبد الناصر، بعد أن تحدث مع الرئيس، فهو الذي كتبه بيده،  بل كان هو من اقترح اسم زكريا محيي الدين للرئاسة.

خسائر الجيش المصري

في كتابه "الانفجار" يكشف هيكل قصة تنحي الرئيس جمال عبد الناصر كاملة ويقول: في تلك اللحظات كانت الصحف تتحدث عن حجم الخسائر التي لحقت بالجيش المصري، والمعارك التي ما زالت تدار على الجبهة، والرئيس الراحل عبد الناصر يتابع عن كثب تطورات الأحداث، ومن هنا شعر بحجم الكارثة والموقف المؤسف الموضوع فيه الجيش المصري، ومع ذلك حاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وعندما أدرك أن الموقف خارج السيطرة، اتصل بوزير الخارجية محمود رياض ليطلب من القوني سفير مصر في الأمم المتحدة بنيويورك، إبلاغ موافقة مصر على وقف إطلاق النار. 

مانشيتات الصحف يوم التنحى 
مانشيتات الصحف يوم التنحى 

وفي جلسة جمعت هيكل وعبد الحكيم عامر مع الرئيس جمال عبد الناصر اقترح تقديم استقالته وإعلان مسؤوليته الكاملة عن النكسة، وتقديم شمس بدران ــ وزير الحربية في ذلك الوقت - رئيسًا مؤقتًا لمصر، أيده هيكل في الاستقالة لكن رفض اقتراح شمس بدران ورشح بدلًا منه زكريا محيي الدين.

هيكل يرفض شمس بدران

وأوضح هيكل أنه كتب خطاب التنحي لكنه لم يكتب تكليف شمس بدران وزير الحربية في ذلك الوقت بالرئاسة بدلًا من ناصر، واقترح هيكل على جمال عبد الناصر أن يكون التكليف لزكريا محيي الدين أقدم أعضاء مجلس قيادة الثورة سنًّا بجانب مميزات شخصية تمكنه من لملمة شتات الوطن المبعثر، وقد وافق ناصر، وكتب هيكل الخطاب على هذا الأساس. 

الجماهير ترفض تنحى الرئيس 
الجماهير ترفض تنحي الرئيس 

وعلق الرئيس جمال عبد الناصر على الخطاب ــ حسب رواية هيكل ــ قائلًا: لا أستطيع أن أتصور ما سيفعله الناس، والله لو أنهم أخذوني إلى ميدان التحرير وشنقوني فيه لما اعترضت عليهم، لهم الحق.

عبد الناصر يلقي خطاب التنحي

وفي مثل هذا اليوم ألقى الرئيس جمال عبد الناصر خطاب التنحي الذي كتبه له الصحفي محمد حسنين هيكل، قال فيه: أيها الإخوة المواطنون.. لا نستطيع أن نخفي على أنفسنا أننا واجهنا نكسة خطيرة خلال الأيام الخطيرة، لكني واثق أننا جميعًا نستطيع أن نجتاز هذا الموقف الصعب. ولقد تعودنا معًا في أوقات النصر وفي أوقات المحنة.. في الساعات الحلوة وفي الساعات المرة أن نجلس معًا وأن وأن نتصارح بالحقائق، مؤمنين أنه من هذا الطريق وحده نستطيع دائمًا أن نجد اتجاهنا السليم، مهما كانت الظروف عصيبة، ولا نستطيع أن نخفي على أنفسنا أننا واجهنا نكسة خطيرة خلال الأيام الأخيرة، لكنى واثق أننا جميعًا نستطيع - وفي مدة قصيرة- أن نجتاز موقفنا الصعب، وإن كنا نحتاج في ذلك إلى كثير من الصبر والحكمة والشجاعة الأدبية، ومقدرة العمل المتفانية.

عبد الناصر يلقى خطاب التنحى 
عبد الناصر يلقي خطاب التنحي 

وأضاف الرئيس عبد الناصر: جاءت ضربة العدو، وإذا كنا نقول الآن بأنها جاءت بأكثر مما توقعناه؛ فلابد أن نقول في نفس الوقت وبثقة أكيدة إنها جاءت بأكبر مما يملكه، مما أوضح منذ اللحظة الأولى أن هناك قوى أخرى وراء العدو، جاءت لتصفي حساباتها مع حركة القومية العربية، إن قوى الاستعمار تتصور أن جمال عبد الناصر هو عدوها، وأريد أن يكون واضحًا أمامهم أنها الأمة العربية كلها وليس جمال عبد الناصر.

يتولى زكريا محيي الدين

وتطبيقًا لنص المادة 110 من الدستور المؤقت الصادر في شهر مارس سنة 1964 فلقد كلفت زميلي وصديقي وأخي زكريا محيي الدين بأن يتولى منصب رئيس الجمهورية، وأن يعمل بالنصوص الدستورية المقررة لذلك، وبعد هذا القرار فإنني أضع كل ما عندي تحت طلبه، وفي خدمة الظروف الخطيرة التي يجتازها شعبنا.

قال الرئيس: لقد قررت أن أتخلى نهائيًا عن كل منصب رسمي وكل دور سياسي، وأن أعود لصفوف الجماهير وأقوم بواجبي مثل أي مواطن آخر. إن هذه ساعة للعمل وليست ساعة للحزن، إنه موقف للمثل العليا وليس لأية أنانيات أو مشاعر فردية، إن قلبي كله معكم، وأريد أن تكون قلوبكم كلها معي، وليكن الله معنا جميعًا.

صلاح جاهين 
صلاح جاهين

خرجت الجماهير المصرية تصرخ وتطالب زعيمها بالبقاء في السلطة وتحمل المسئولية حتى يأتي النصر على يديه، ويسجل المشهد الصحفي الجميل صلاح جاهين، فكتب في مجلة صباح الخير في اليوم التالى يقول:
خرج الشعب.. أنا وأنت ليلة 9 يونيو في الظلام وتحت قصف المدافع المضادة للطائرات ليعلن رفضه لقرار الرئيس جمال عبد الناصر بالتنحي وليؤكد تمسكه بقيادته، وعندما ظل الشعب أنا وأنت ساهرًا طوال تلك الليلة العصيبة حتى الصباح وتدفقت جموعه من كل ركن من أركان الوطن نحو مجلس الأمة ليؤكد ذلك الرفض وذلك التمسك.. هنا كان الشعب يعبر برصيد خبرة نضالية تاريخية طويلة عن رفضه للهزيمة، وعن إصراره على أن يتجاوز النكسة، ويرتفع فوقها في طريق النصر.