فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

من مقاصد الشريعة الغراء

حج القلوب قبل حج الأبدان

لا جدال أن حج فرض به يكمل المرء الدين وتتم به النعمة وأنه لمن استطاع، والحج وإن اجتمعت له أسبابه فلا مبرر للمرء في ترك تلك الفريضة، ولكننا نتحدث عن الذين حجوا وطافوا ولبوا وسعوا، وعن الذين لم يكتب الله لهم حج بيته لعدم الاستطاعة.. 

ولذلك فإنا نسوق لقلوبهم البشرى ونقول من فاته القيام بعرفة فليقم لله بحقه الذي عرفه، ومن لم يقدر على ذبح هديه بمِنى فليذبح هواه هنا وقد بلغ المُنى، ومن لم يصل إلي البيت لبعده فليقصد رب البيت فهو أقرب إليه من حبل الوريد.

 

فإذا أحرم الحجيج من الميقات فلتحرم قوبنا عن كل ما يغضب الله -تعالى-، من حقد وغل وكراهية ونفاق ورياء، ولنخلع مع الحجيج ثياب المعصية والزور والبهتان، ولنتزين بلباس التقوى والإيمان (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ)[الأعراف:26]. وإذا طاف الحجيج حول الكعبة هناك فلتعرج قلوبنا وأرواحنا هنا ونحن  في محراب الصلاة نحو السماوات العلا؛ لتطوف مع الملائكة الكرام حول البيت المعمور مترفعين على الدنيا وحقارتها وسفاسف الأمور.  

 

وإذا سعوا بين الصفا والمروة فليسع كل منا في قضاء حوائج الناس؛ فعن ابن عمر عن النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: "أحَبُّ الناس إلى الله أنفَعُهم، وأحَبُّ الأعمال إلى الله -عزَّ وجلَّ- سرُورٌ تُدخِلُه على مُسلِم أو تَكشِف عنه كُربةً، أو تَقضِي عنه دَيْنًا، أو تَطرُد عنه جُوعًا، ولَأَنْ أَمشِي مع أخي المُسلِم في حاجةٍ أحبُّ إلَيَّ من أنْ أعتَكِفَ في هذا المسجد شهرًا، ومَن كفَّ غضَبَه ستَرَ الله عَوْرتَه، ومَن كظَم غيظًا ولو شاءَ أنْ يُمضِيه أمضاه مَلَأَ الله قلبَه رضًا يوم القيامة، ومَن مشَى مع أخيه المسلم في حاجَتِه حتى يُثبتها له أثبَت الله -تعالى- قدَمَه يوم تزلُّ الأقدام، وإنَّ سوء الخلق ليُفسِد العملَ كما يُفسِد الخل العسل" صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.  

وإذا كانوا يُقبِّلونَ الحجر الأسود فليقَبِّل كل واحد يد أبيه وأمه وليبرهما أحياء وأمواتا فهما باب الجنة، وإذا كانوا يشربون ويغتسلون من زمزم فلنغسل وجوهنا ولنطهر قلوبنا بدموع التوبة والندم على ما أسلفنا من الذنوب والمعاصي.
 

وحين يقف الحجيج بعرفات خاشعين متذللين ضاحين باكين؛ فليدخل كل مشتاق مسجده وليرفع أكف الضراعة يناجي ربه، وليخر ساجدًا لوجهه الكريم سجدة ذل وانكسار، وليعلن فاقته وفقره وضعفه وندمه بين يدي العزيز الغفور؛ طالبًا فكاك رقبته في اليوم الذي يعتق فيه الله -عز وجل- أكثر مما يعتق في سائر العام.   

 

وحين يتزاحم الحجيج لرمي الجمرات؛ فلنعلن جميعا حربًا على الشيطان، ولنطرد وساوسه بالاستعانة بالله والاستعاذة به، ولنقطع علائق الشيطان بالتوبة وترك مواطن الشبهة والشهوة.


وها هو عبد الله بن المبارك كبير التابعين كان يحج عاما ويغزو عاما وكما أورد ابن كثير في البداية والنهاية أنه نوى الحج وأعد له عدته، وبينما هو يسير شاهد امرأة تفتش في أكوام القمامة وتأخذ دجاجة ميتة فقال لها أما علمت يا أمة الله أن الله حرًم أكل الميتة، فقالت وهي لا تعرفه إليك عني، فإنك لا تدري ما بي.. 

إن لي أياما أنا وبناتي لم نطعم طعاما، فدفع إليها بمال الحج وانصرف إلي بيته صارفا النظر عن الحج، وبعد أن فرغ الحجيج جاءوا إليه يباركون له على الحج ويشكرون له ما علمهم إياه أثناء الحج، ويثنون على دروسه في الحرم، وهو في دهشة من أمره.. 

وعندما نام رأي رسول الله صلى الله عليه في منامه وهو يقول له: يا عبد الله أكرمك الله كما أكرمت أم اليتامى، وسترك الله كما سترت اليتامى، ووكل ملكا على صورتك حج عنك وعلًم أصحابك وكتب لك أجر سبعين حجة..


وهو نفسه ابن المبارك يروي أنه كان في موسم الحج ونام فوجد هاتفا في المنام يقول له: إن الله قد غفر لأهل الموسم كلهم اكراما لموفق الإسكافي، فسأل عن موفق فقالوا لم يحج معنا فلما عاد من الحج قصد موفق وسأله عن عمله الذي بسببه غفر لأهل الموسم، فقال: كنت قد جمعت المال للحج وعدت إلي بيتي وكانت امرأتي حبلى، فقالت أشتهي لحما مشويا وأشم رائحته عند جارتنا، قال فتوجهت لجارتي استأذنها في قطعة لحم من أجل زوجتي..  

فقالت إن هذا اللحم حرام عليكم حلال لنا لأنه لحم شاة ميتة، ونحن لا نجد ما نأكله منذ أيام، فأصبح لحم الميتة حلالا لنا، لاضطرارنا إليه، فقال فأخذت أنوح وأقول أنا في سعة وجارتي تكاد تموت هي وأولادها جوعا، فدفعت لها بكل المال ولم أحج، ومن أجل هذا وإكراما لمن حج بقلبه غُفر لأهل الموقف جميعا، فاللهم ارزقنا حجا اليك بقلوبنا بعد حج أبداننا، ورقق القلوب لتعي المقصود من شريعتنا الغراء.