من الولاية المطلقة للأب إلى المرتبة 16، كيف أصبح ترتيب الحضانة فتيل الأزمات بمحاكم الأسرة؟
منذ فجر الضمير الإنساني على ضفاف النيل، لم تكن حضانة الأطفال لاسيما بعد انفصال الزوجين مجرد إجراء قانوني، بل كانت انعكاسًا لموازين القوى داخل الأسرة، فبينما كانت “إيزيس” في الأساطير المصرية هي الحامية والراعية، كان التشريع يعطي المركزية للرجل، لكن اليوم يقف رب الأسرة المصري في المرتبة رقم 16 بقائمة الحضانة، في مفارقة تاريخية تستدعي البحث في الجذور والأسباب التي شكلت هذا الواقع، خاصة بعد تصاعد رفض الأباء لهذا الوضع، ليطرح السؤال نفسه: هل هذا الترتيب هو الفتيل الذي أشعل نيران المحاكم وساهم في تغييب كثير من الأباء عن حياة أبنائهم ؟
السيادة الأبوية، هكذا كانت حضانة الأطفال في مصر
منذ أن وطأت أقدام الفقه الإسلامي أرض مصر، لم يكن الطفل مجرد كائن يحتاج لرعاية، بل أمانة تتنازعها فلسفتان “حنو الأم وهيبة الأب”، لكن على مدار 14 قرنًا، انقلبت الآية تمامًا؛ فبعد أن كان الأب هو المبتدأ والخبر في حياة طفله، أصبح اليوم متذيل قائمة تشمل 15 اسمًا يسبقه، مما حول باحات المحاكم إلى ساحات معارك لا تنتهي.
ويرصد الفقيه محمد زيد الإبياني في كتابه شرح أحكام الأحوال الشخصية أن الأصل في الشريعة وفق المذهب الحنفي المعمول به في مصر يقوم على فكرة الاستغناء، أي أن الأم تحضن الصغير ما دام محتاجًا لخدمة النساء، فإذا استغنى ببلوغ السابعة للذكر والتاسعة للأنثى "نزع منها".
ويكشف الدكتور أحمد الكبيسي، الباحث والكاتب في مرجعه الأحوال الشخصية في الفقه والقضاء أن الفلسفة آنذاك كانت ترى أن الأب هو الأقدر على التأديب والتعليم، بينما الأم هي الأقدر على الحنو، وبمجرد انتهاء مرحلة الحنو، يجب أن ينتقل الصغير إلى بيئة الأب ليتعلم خشونة الحياة وأصول الحرف والقبيلة.
ثورة قانون 1929، بداية عصر النساء في مصر
مع صدور القانون رقم 25 لسنة 1929، بدأت ملامح التغيير تظهر بوضوح، ويوثق المستشار محمد عزمي البكري في كتابه موسوعة الأحوال الشخصية أن المشرع المصري بدأ يميل تدريجيًا لتمديد فترات حضانة النساء، استجابةً لتغير طبيعة المجتمع وتراجع فكرة الأسرة الممتدة التي يحميها الأب وحده.
في هذه الحقبة أيضا، انتشرت بشدة كتابات الرائد الحقوقي الدكتور محمد شفيق غربال، الذي أشار في بعض أبحاثه التاريخية إلى أن التعديلات التشريعية محاولة للموازنة بين النص الجامد والواقع المتغير، حيث بدأ القضاء المصري يستشعر أن انتزاع طفل في السابعة من حضن أمه يسبب "شرخًا نفسيًا" لا تعوضه تربية الأب.
قانون جيهان، هكذا انتهى عصر الرجل
لا يمكن قراءة الواقع الحالي دون العودة إلى عام 1979، اللحظة التي وصفت بأنها نهاية عصر الرجل في قوانين الأسرة، فبمبادرة ودعم قوي من السيدة جيهان السادات، زوجة الرئيس الراحل محمد أنور السادات، صدر القانون رقم 44 لسنة 1979 الذي عرف شعبيًا بقانون جيهان، ليكون أول صدام حقيقي مع الرجال، حيث انتزع من الأب حق استرداد أبنائه في سن السابعة، ليرفع السن إلى 10 سنوات للولد و12 للبنت، مما شكل صدمة اجتماعية في ذلك الوقت.
ورغم أن المحكمة الدستورية أبطلت هذا القانون لاحقًا لأسباب إجرائية، إلا أن روح القانون ظلت حية، حيث أعيد العمل بمضمونه في قانون 100 لسنة 1985، وصولًا إلى القانون رقم 4 لسنة 2005 الذي نعيشه الآن، وهذا الأخير لم يكن مجرد تعديل، بل كان الضربة القاضية لمبدأ المشاركة الأبوية برفع السن إلى 15 عامًا.
وتشير دراسة منشورة في المجلة الجنائية القومية الصادرة عن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية إلى أن هذا التعديل استند إلى توصيات نفسية ترى أن المراهقة هي أخطر مراحل التكوين، والأم هي الأكثر صبرًا على تقلبات هذه السن.
لكن هذا التمكين النسوي المطلق، كما يرى الباحث القانوني أحمد رأفت في دراسته أزمة الولاية والحضانة، أحدث خللًا جسيمًا؛ حيث تحولت الحضانة من حق للمحضون في رعاية والديه، إلى سلطة حصرية للأم، مما خلق ما يسمى بـ "فجوة الاغتراب الوالدي" حيث تحول الأب إلى مجرد ماكينة صراف آلي خارج حدود حياة أبنائه لعقد ونصف من الزمان.
لغز المرتبة 16، لماذا يتذيل الأب قائمة حضانة أولاده ؟
تعد المادة 20 من القانون رقم 100 لسنة 1985 هي حجر الزاوية في هذه المشكلة، فالمشرع حصر ترتيب الحضانة في النساء أولًا، مقدمًا خالات الأم وعمات الأب على الأب نفسه.
ويوضح الدكتور جابر جاد نصار في ورقة بحثية له، أن هذا الترتيب مستمد من تفسيرات فقهية قديمة تفترض أن النساء كلهن حاضنات بالفطرة، لكنه ينتقد في ذات الوقت هذا الترتيب، مؤكدًا أن الواقع المعاصر الذي تعيش فيه الأم في شقة منعزلة عن خالتها وعمتها يجعل من تقديم الخالة على الأب تقطيعًا لأواصر الدم بلا مبرر واقعي.
قوانين الأسرة، تحولات ثورية في دول الجوار العربي
بينما لا يزال القانون المصري يراوح مكانه، هناك تحولات ثورية في دول الجوار لاسيما المغرب، حيث حطمت مدونة الأسرة عام 2004 حسب الباحث المغربي أحمد الخمليشي الترتيب العبثي، وجعلت الأب في المرتبة الثانية مباشرة بعد الأم، معتبرة أن مصلحة الطفل تقتضي وجود الوالدين في الدائرة الأولى.
ولحقت السعودية بنفس الترتيب عام 2022، بالمادة 124 من نظام الأحوال الشخصية، التي نصت صراحة على أن الحضانة للأم ثم للأب، وهو ما يصفه الباحثون في مركز عدالة للدراسات بأنه ثورة تشريعية قضت على تسلسل النساء الطويل وانتصرت لحق الأب في رعاية ابنه.
وفي تونس يوثق الباحث القانوني منذر الشريف أن القضاء التونسي تجاوز فكرة الترتيب تمامًا، وبات يعتمد الحضانة المشتركة في كثير من الأحكام، حيث يقسم الوقت بين الأبوين لضمان عدم حرمان الطفل من هويته الأبوية.
يمكن القول أن أزمة الحضانة في مصر ليست مجرد نص قانوني جامد، بل هي إصرار على استدعاء ترتيب فقهي وتأويلات قانونية لاتناسب العصر، وبينما نجحت عواصم عربية عديدة في فك هذه العقدة عبر منح الأب مرتبة تلي الأم مباشرة، لا يزال الأب المصري يصارع في ذيل القائمة.
وحسب خبراء، استمرار هذا الوضع لا يهدد حقوق الرجال فحسب، بل ينسف التوازن النفسي للأجيال القادمة خاصة مع تصاعد وتيرة النزاعات في المحاكم وتعالي صرخات الآباء المكلومين، ويبقى السؤال: متى تتحرك مصر لإنهاء هذا الكابوس القانوني وإعادة ترتيب بيت الزوجية المنهار، قبل أن تنفجر الأسرة المصرية من الداخل وتتلاشى للأبد ؟