جيش الظل النازي.. سلاح هتلر لإسقاط القارة العجوز
في الأول من سبتمبر عام 1939، اجتاحت ألمانيا جارتها بولندا، لتبدأ واحدة من أكثر الحروب التي شهدها العالم شراسة ودموية، وهي الحرب العالمية الثانية، ثم توالى سقوط العواصم الأوروبية الواحدة تلو الأخرى أمام القوات الألمانية بقيادة أدولف هتلر..
والمتعمق في دراسة الحرب العالمية الثانية، يدرك بسهولة أن الدبابات الألمانية لم تكن وحدها هي من حسم المعارك الحربية، ولم تكن طائرات النازي هي السر الخفي وراء سقوط عواصم أوروبا بتلك السهولة، فقد كان هناك جيش خفي لا يرتدي زيًّا عسكريًّا ولا يحمل سلاحًا، يتحرك بهدوء في الخفاء يثبط الهمم ويغتال الروح المعنوية للجبهات الداخلية، ويزود العدو بالمعلومات الاستراتيجية والحساسة..
إنه الطابور الخامس، الذي استغله هتلر ببراعة شديدة في إحكام قبضته على القارة العجوز.. ترى كيف جند هتلر عملاء الداخل أو الطابور الخامس.. وكيف استغلهم في بداية الحرب حتى أسقط عواصم أوروبية مهمة.. وما أشهر الدول التي سقطت في قبضة النازي بخيانة ومساعدة أبنائها؟ إجابات هذه التساؤلات وغيرها في السطور التالية.
الدعاية الألمانية تهزم الجيوش الأوروبية
وفقًا لمصادر متخصصة ودراسات أجريت حول الحرب العالمية الثانية، فقد اعتمدت العقيدة العسكرية الألمانية أو النازية، على مبدأ الحرب السريعة أو الحرب الخاطفة، وهي نوع من الحرب الذي تستخدم فيه قوات متنوعة بأعداد كبيرة وبأسلحة حديثة لغزو دولة محددة، ولكن قبل أن تتحرك عسكريًّا كان لا بد من التمهيد للحرب، وهنا يبرز دور الطابور الخامس..
فقد استغله النازيون بطرق متعددة كان أبرزها تزييف الوعي، وذلك من خلال آلة إعلامية ضخمة داخل البلد المراد احتلالها، مهمتها بث الشائعات ونشر الأخبار التي من شأنها تثبيط الروح المعنوية، وإشاعة اليأس بين المواطنين، وترديد عبارات ونشر معلومات عن قوة الجيش النازي، وعدم القدرة على مواجهتها، وأن الهزيمة آتية لا محالة..
بالإضافة لترويج شائعات أخرى عن خيانة قادة في الجيش وكبار المسؤولين في الدولة، ومن ثَمَّ فإن الجنود يدخلون الحرب في مواجهة الألمان وهم مهزومون سلفًا، وقد تم تطبيق هذه الطريقة مع فرنسا عندما هاجمها الألمان عام 1940، ونجحت إلى حد كبير ما سهل سقوط العاصمة باريس.
أيضًا استغل الزعيم النازي أدولف هتلر الطابور الخامس بطريقة ثانية تمثلت في زرع وتجنيد خلايا نائمة داخل دول أوروبا، مهمتها التحرك في وقت محدد غالبًا ما يكون قبل الغزو بيوم أو يومين، والقيام بأعمال شغب وتخريب وتدمير المرافق العامة وقطع خطوط الكهرباء، والمواصلات، والاتصالات، وتفجير الجسور الحيوية..
استنادًا إلى شائعات متعلقة بخيانة القادة العسكريين والمسؤولين الحكوميين، وأن الجيش النازي على أبواب البلاد بعد أن سلمها الحكام، وقد ساهمت هذه الطريقة في سقوط دول مثل هولندا وبلجيكا.
وهناك الطريقة التقليدية المتمثلة في زرع الجواسيس وجامعي المعلومات المهمة والاستراتيجية، مثل أعداد الجنود ونوعية تسليحهم وأماكن تجمعهم، وطبيعة الذخائر التي يستخدمونها، وخرائط انتشار عناصر قوات النخبة، وغيرها من المعلومات العسكرية المفترض أنها سرية..
استخدام الطابور الخامس في هذه الحالة يسهم بشكل كبير في وضع خطط الهجوم وتحديد نوعية الأسلحة وعدد القوات المهاجمة، ومعرفة نقاط الضعف في الدولة المراد مهاجمتها، واعتمد هتلر على هذه الطريقة مع غالبية الدول الأوروبية التي سيطر النازيون عليها أثناء الحرب العالمية الثانية.
ولعل وزير الدفاع النرويجي الأسبق فيدكون كويسلينج، نموذج صارخ للطابور الخامس الذي اعتمد عليه هتلر في حروبه للسيطرة على دول أوروبا، فهذا الرجل تم تجنيده من قبل النازيين وقدم لهم معلومات سرية للغاية عن الأوضاع في النرويج وجيشها وتسليحه وخرائط انتشاره..
ولم يكتفِ بذلك بل أسس حزبًا سياسيًّا في النرويج يعتنق أفكار النازية، وبشر بها في بلاده ومهد الطريق أمام قوات ألمانيا لغزوها.. ووصل به الأمر أنه في ليلة الغزو النازي للنرويج عام 1940، استولى على محطة الإذاعة الوطنية، وأعلن نفسه رئيسًا للحكومة، وطالب الشعب بالتوقف عن المقاومة والترحيب بالنازيين الألمان.
حصان طروادة في واشنطن
وبعيدًا عن القارة الأوروبية، فقد شكَّل الطابور الخامس خطرًا كبيرًا على الولايات المتحدة الأمريكية خلال الحرب العالمية الثانية، وقد أدرك الرئيس الأمريكي آنذاك فرانكلين روزفلت هذا الخطر الداهم، بعد أن اكتشف اعتماد الزعيم النازي أدولف هتلر على الطابور الخامس في إسقاط دول أوروبا الواحدة تلو الأخرى بسهولة وفي فترات وجيزة..
روزفلت فطن مبكرًا إلى محاولات النازيين تشكيل طابور خامس داخل الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت بعيدة عن الحرب العالمية الثانية في ذلك الوقت، وذلك تمهيدًا لغزوها هي الأخرى في إطار مطامع ألمانيا في تكوين إمبراطورية عظمى لا تتوقف حدودها عند المحيط الهادي بل تتخطاها لتصل إلى واشنطن نفسها.
وفي واحد من أشهر خطاباته، بدأ روزفلت التحذير مبكرًا مما أسماه حصان طروادة الحديث أو الطابور الخامس الذي يتم إعداده وتجهيزه من قبل النازيين داخل المجتمع الأمريكي.. وقال في خطابه: “إن الطابور الخامس أو حصان طروادة الحديث، هو السلاح الأخطر الذي يهدد الديمقراطية الأمريكية”..
وحذر الشعب الأمريكي من السقوط في فخ الدعاية الألمانية النازية، متوعدًا كل من تسول له نفسه العبث بمقدرات المجتمع الأمريكي بسوء العاقبة.. وأشار إلى أن هتلر بدأ بالفعل في نثر بذوره الخبيثة في أمريكا، من خلال زرع عملائه ومعتنقي فكره، في المؤسسات الأمريكية، والجالية ذات الأصول الألمانية بغرض ضرب الوحدة الوطنية من الداخل.
ووفقًا للمصادر والدراسات التي أجريت بشأن علاقة روزفلت بالطابور الخامس الألماني، فقد ظهرت بعض المنظمات التي يمكن اعتبارها نواة لطابور خامس في المجتمع الأمريكي أشرف على تأسيسها النازيون في ألمانيا، ومن بينها كيان كان يعرف باسم “شبكة بوند”..
وهي منظمة علنية مؤيدة للنازية، وأعضاؤها يرتدون زيًّا عسكريًّا مشابهًا للزي النازي، ويحرصون على وضع الصليب المعقوف وهو شعار النازية إلى جانب العلم الأمريكي.. وكانوا يروجون لأفكار مؤيدة لألمانيا من نوعية: ألمانيا ليست عدوًّا، وأنه على أمريكا أن تظل بعيدة عن الحرب..
هذه الشعارات كانت تصب بشكل مباشر في مصلحة الألمان الذين يرون أن بقاء العملاق الأمريكي بعيدًا عن الصراع الأوروبي يضمن لهم التفوق الكاسح في القارة العجوز.
لم يضيع روزفلت وقتًا وخاطب الشعب الأمريكي عبر الإذاعة قائلًا: “نحن نعلم كيف يعمل الطابور الخامس.. إنه يبدأ ببث بذور الشقاق ثم يغذي الكراهية بين الطوائف.. ويشكك في نزاهة الحكومة حتى ينهار البناء من الداخل”..
ولم يكتفِ روزفلت بالخطابات ورسائل التوعية والتحذير فقط، بل اتخذ إجراءات حاسمة من بينها منح جهاز التحقيقات الفيدرالي (إف. بي. آي)، صلاحيات واسعة في رصد وتتبع أي نشاط تخريبي أو عمليات تجسس لصالح الألمان، وهو الأمر الذي أسهم بشكل حاسم في القضاء على الطابور الخامس الألماني في المجتمع الأمريكي.