ترامب حوَّل السياسة إلى صالة قمار.. "ذا جارديان" البريطانية تكشف كيف استغل الرئيس الأمريكي القرارات والمعلومات الحساسة لتحقيق أرباح عبر المراهنات والعملات المشفرة ومضاربات النفط
كشفت جريدة "ذا جارديان" البريطانية أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حوَّل السياسة إلى "ساحة مراهنات" مفتوحة، تتقاطع فيها المعلومات الحساسة مع مصالح المضاربين.
ويطرح المقال الذي أعدته الكاتبة نسرين مالك، وهي كاتبة سودانية مقيمة في لندن، تساؤلات عميقة حول حدود الشفافية التي تهيمن على المشهد الأمريكي خلال رئاسة ترامب للبيت الأبيض، وإمكانية استغلال النفوذ السياسي لتحقيق مكاسب مالية، مشددة على أن ترامب شجع ثقافة تتعامل مع السياسة بوصفها "صالة قمار".
تقول مالك في مقال بعنوان: "هل سيجلب دونالد ترامب السلام أم مزيدا من القنابل؟": إن "المضاربين المشبوهين يراهنون دائما في التوقيت الصحيح؛ وقد لا يستفيد ترامب مباشرة من أسواق المراهنات، لكنه شجَّع ثقافة تتعامل مع السياسة كما لو كانت صالة قمار"، ففي يوم الاثنين 23 مارس 2026، وقبل 15 دقيقة من نشر دونالد ترامب منشورا قال فيه إن "محادثات مثمرة" جرت مع إيران، قام متداولو النفط بوضع رهانات بقيمة نصف مليار دولار على السعر المستقبلي للنفط.
و"أدى تصريح ترامب إلى انخفاض أسعار النفط الخام، ويبدو أن بعض الأشخاص كانوا على علم مسبق بصدور الإعلان، فحققوا أرباحا من رهاناتهم. لا تشعر بالغيرة؛ فبعض الناس يولدون محظوظين"، بحسب المقال.
تصريحات ترامب جاءت في توقيت مريب
تقول مالك: إذا كانت تلك الصفقات التي أبرمت في توقيت مريب تمت بالفعل بناء على معلومات داخلية، فإنها تمثل جزءا فقط من موجة أوسع من المراهنات التي تحول نتائج السياسة إلى فرص لتحقيق أرباح سريعة. ومنها على سبيل المثال منصة "بولي ماركت"، وهي سوق تنبؤات عبر الإنترنت انطلقت بقوة في أوائل العقد الحالي، وتتيح المراهنة على أي شيء، بداية من نتائج نهائي السوبر بول إلى احتمال قيام ترامب بغزو دولة أخرى.

وتضيف: قبل الهجوم الأمريكي على إيران، توقعت عدة حسابات جديدة على المنصة توقيت الضربات الأمريكية الإسرائيلية قبل وقوعها بـ24 ساعة فقط. ولوحظ النمط نفسه بعد الانقلاب الأمريكي في فنزويلا في يناير 2026؛ إذ حقق حساب واحد، أُنشئ قبل أيام قليلة من العملية العسكرية، أكثر من 400 ألف دولار. ونتيجة لهذه العمليات، بدأ كثيرون يتساءلون عما إذا كان من الممكن أن يكون رئيس الولايات المتحدة أو المقربون منه يحققون أرباحا غير مشروعة من السلطة السياسية، مع صعوبة شبه مستحيلة في الإجابة عن هذا السؤال. فيما ينفي البيت الأبيض وجود أي تضارب مصالح لدى عائلة ترامب.
وبحسب المقال، تزداد شعبية أسواق المراهنات لأنها سهلة الدخول وصعبة التتبع. إذ تجرى الرهانات باستخدام العملات المشفرة مثل بيتكوين، مما يقلل من القيود أو الآثار المصرفية التقليدية القابلة للتتبع. كما أن هذه المنصات لامركزية ومفتوحة للمستخدمين عالميا، ومن الصعب تنظيمها أو إغلاقها من جهة قضائية واحدة.
تحويل المستقبل إلى ساحة مراهنات
تقول نسرين مالك: لطالما ابتكرت الأسواق المالية أدوات مضاربة تعتمد على توقع تحركات الأسعار، لكن أسواق المراهنات تحول المستقبل نفسه إلى أصل يمكن المراهنة عليه، بناء على عدد شبه غير محدود من السيناريوهات، بما في ذلك كيفية اعتراض الصواريخ.
وتضيف الكاتبة السودانية: ليس من المبالغة التساؤل عما إذا كانت بعض هذه الرهانات المريبة جاءت مباشرة من إدارة ترامب التي تسعى بلا حرج إلى إثراء نفسها، فمنذ توليه المنصب، أطلقت عائلته عدة مشاريع في مجال العملات المشفرة.
وكشف تحقيق لجريدة نيويورك تايمز - في وقت سابق من هذا العام - أن ترامب حقق ما لا يقل عن 1.5 مليار دولار في العام الأول من ولايته الثانية.
وتتابع: لا يعني هذا أن ترامب يسرب المعلومات بشكل مباشر، لكن ذلك لا يبدو متعارضا مع المعايير الأخلاقية التي ظهرت حتى الآن. وهناك احتمالات أخرى؛ فهو استعراضي مرتبك تحيط به مجموعة واسعة من المساعدين الرسميين وغير الرسميين، وليس من المستبعد أن يلتقط البعض معلومات من محيطه ثم يتصرفون بناء عليها وينقلونها لغيرهم.
الجمهور الأمريكي سلعة في سوق المراهنات
وتمضي الكاتبة قائلة: لكن هناك تحولا ثقافيا أوسع، يجري ترسيخه في البيت الأبيض وينتشر عبر منصات المراهنات؛ وهو تحول يقوم على تسييل كل ما يمكن، من الرئاسة إلى الحضور على الإنترنت، وتحويل الجمهور إلى أهداف للربح. وتعد هذه الثقافة بأن أي شخص يمكنه تحقيق النجاح ذاته الذي يحققه أصحاب النفوذ، عبر صفقات ذكية ومبتكرة.
وتستطرد: يغذي الإقبال على هذه المخططات عامل أعمق، وهو تراجع فرص العيش الكريم من خلال وظيفة تقليدية تضمن قرضا سكنيا ومدخرات واستقرارا وظيفيا وتقاعدا لائقا. ومع ذلك، تزايدت النظرة السلبية للعمل التقليدي، مقابل تمجيد الاستقلال المالي والعمل الحر والمضاربة.
وتضيف: هناك – أيضا - حالة "اللاواقعية" التي أدخلها ترامب إلى قلب المشهد العالمي؛ إذ حول كل شيء إلى عرض واستعراض، وجعل السياسة فرعا من الترفيه. فهو يجمع بين دور المهرج المتقلب ومدير السيرك القوي، حيث يتحول كل يوم إلى مفاجأة، وسؤال في سوق الرهانات: هل يسود السلام أم يموت الناس؟ ضع رهاناتك.
مجتمع أمريكي يشجع فساد النخبة
وبحسب نسرين مالك، فإن "السياسة الأمريكية اتسمت بقدر كبير من التراخي في تنظيم المصالح المالية للمسؤولين. إذ يسمح لأعضاء الكونجرس بشراء وبيع الأسهم رغم اطِّلاعهم على معلومات حساسة. وقد جمعت رئيسة مجلس النواب الأمريكي السابقة نانسي بيلوسي ثروة كبيرة خلال فترة عملها، حتى ظهرت أدوات تتيح تتبع استثماراتها وتقليدها. كما حولت هيلاري كلينتون وزوجها الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون سنوات الخدمة العامة إلى مصدر دخل ضخم من خلال المحاضرات والاستشارات".

وتتابع: يبقى السؤال الأهم خلال ولاية ترامب الثانية: هل يمثل تسارعا لاتجاهات سابقة، أم نموذجا جديدا بالكامل من السياسيين؟ ربما يسعى ترامب إلى تحقيق الأمرين معا. فمن خلال تعزيز ثروته وثروة عائلته علنا، كسر الأعراف التي كانت تقبل ببعض المكاسب من المنصب، لكنها لا تقبل بتحويل البيت الأبيض إلى مشروع خاص.
وتنهي نسرين مالك مقالها قائلة: قد لا نعرف أبدا ما إذا كانت تلك المعاملات المريبة مرتبطة مباشرة بترامب، لكن المؤكد أنه يتكيف جيدا مع بيئة سياسية واقتصادية غير منظمة، وهي بيئة جشعة ومضاربة، وتتحول تدريجيا إلى مخطط عالمي ضخم للثراء السريع.